التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري في جامع البيان (٢٢/ ١٢٠)مصدر غير محدد٢٢/١٢٠، وابن كثير (٧/ ٢٧٧-٢٧٨)مصدر غير محدد٧/٢٧٧، والقرطبي (١٦/ ١٧٢)مصدر غير محدد١٦/١٧٢: {وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: الكبرياء: العظمة والجلال والسلطان والقهر والمجد والشرف؛ فله وحده العظمة المطلقة التي خضع لها كل شيء، وعنت لها الوجوه، وذلت لها الرقاب في السماوات والأرض؛ {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}: الغالب الذي لا يغلبه شيء، الحكيم في تدبيره وشرعه وقضائه وجزائه؛ لا يظلم مثقال ذرة.
الحديث القدسي الجليل في الكبرياء:
أخرج مسلم في صحيحه (٢٦٢٠)، وأبو داود (٤٠٩٠)، وابن ماجه (٤١٧٤) عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله عز وجل: الكِبْرِياءُ رِدائي، والعَظَمَةُ إزاري؛ فمَن نازَعَني واحِداً منهما قَذَفْتُهُ في النّارِ".
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على قراءة هذه الآية الكريمة، مع مراعاة المد المتصل في {الْكِبْرِيَاءُ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الْكِبْرِيَاءُ}: مأخوذ من الكِبَر؛ والياء والألف والهمزة للمبالغة؛ وهو صفة تدل على كمال الذات والصفات والعلو المطلق الذي لا يطاوله شيء؛ وتختص بالله تعالى فلا تليق بمخلوق أبداً؛ فالمخلوق إذا تكبر كان كاذباً ذليلاً، والله متكبر بحق لأنه الكبير المتعال.
{الْعَزِيزُ}: القوي الغالب المنيع.
{الْحَكِيمُ}: المتقن للأمور واضع الأشياء في مواضعها.
الإعراب الدقيق:
{وَلَهُ}: الواو عاطفة، اللام حرف جر للاختصاص والاستحقاق، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر، وشبه الجملة متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{فِي السَّمَاوَاتِ}: متعلقان بمحذوف حال من الكبرياء (أو متعلقان بالكبرياء).
{وَالْأَرْضِ}: معطوف مجرور بالكسرة الظاهرة.
{وَهُوَ}: الواو عاطفة أو استئنافية، هو ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
{الْعَزِيزُ}: خبر أول مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الْحَكِيمُ}: خبر ثانٍ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
عود الخاتمة على براعة المطلع:
افتتحت سورة الجاثية بقوله تعالى في الآية الثانية: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}، واختتمت السورة في آيتها الأخيرة بقوله: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}؛ ليلتئم المطلع بالمقطع في غاية الإعجاز والتناسق والكمال، وتكتمل أسوار السورة المحكمة.
الرد الصاعق على المستكبرين:
السورة وبّخت المستكبرين في مواضع شتى: {ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا}، {فَاسْتَكْبَرْتُمْ}؛ فجاء ختام السورة قاطعاً لحبال الاستكبار: {وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}؛ ليعلن أن الكبرياء رداء إلهي خالص، فمن نازع الله فيه قُذف في النار وصار أذل من كل ذليل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الكبرياء صفة كمال في حق الله:
قد يتساءل جاهل: كيف يُذم الكبر في المخلوق ويُمدح في الخالق؟
والجواب العقلي المحكم: المخلوق ضعيف، ناقص، عاجز، أصله من نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة، فإذا تكبر كان كاذباً مدعياً لما ليس فيه؛ أما الخالق سبحانه فهو الغني المطلق، الخالق لكل شيء، المالك لكل كمال، المتنزه عن كل نقص؛ فكبرياؤه حقيقة مطابقة لواقع جلاله وعظمته، فكان الكبرياء كمالاً لازماً لذاته الأقدس، وخضوع المخلوقات له هو عين العقل والصواب.
تقديم الجار والمجرور {وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ}: يفيد الحصر والقصر؛ أي له وحده لا لغيره الكبرياء في الكون كله.
الظرفية في {فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: لبيان سلطان هذه العظمة وسريانها في جميع أرجاء الملكوت؛ فلا يخرج عن هيبة كبريائه ملك مقرب في السماء ولا جبار عتيد في الأرض.
التذييل بالاسمين الجليلين {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}: لبيان أن كبرياءه وعزته مقرونتان بالحكمة والعدل، فليست عزة بطش وطغيان كعزة ملوك الأرض، بل عزة حكيمة تضع كل شيء في موضعه الأعدل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الانكسار المطلق بين يدي ذي الكبرياء: أن يمتلئ قلب المسلم بالذل والانكسار والخضوع لله الكبير المتعال، وأن يجتث من نفسه كل لوثة كبر أو غرور بمال أو جاه أو علم.
التسبيح والتعظيم الأبدي: الاستجابة الفطرية لهذا النداء الإلهي بتكبير الله وتعظيمه؛ فالله أكبر من كل شيء، وله الحمد وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم.