التوجيه بالمأثور: أخرج الطبري (٢٢/ ٨٧)مصدر غير محدد٢٢/٨٧ عن قتادة ومجاهد، وابن كثير (٧/ ٢٦٦)مصدر غير محدد٧/٢٦٦: يوجه الله العباد إلى التفكر في أنفسهم وما ركبهم الله عليه من أطوار وأعضاء وحواس وعقول، وفيما ينشره ويبثه في أرجاء الأرض من أصناف الدواب من بهائم ووحوش وطيور وهوام، مما لا يحصيه إلا الله؛ ففي ذلك كله براهين نيرة لقوم يوقنون بالحق ويعلمون كمال قدرة منشئها.
توجيه القراءات المتواترة:
قرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر: {آيَاتٍ} بكسر التاء منونة عطفاً على اسم إنّ في الآية السابقة: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ... وَفِي خَلْقِكُمْ... آيَاتٍ}.
وقرأ الباقون من القراء العشرة (نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب): {آيَاتٌ} برفع التاء منونة، على أنها مبتدأ مؤخر، والجار والمجرور {وَفِي خَلْقِكُمْ} خبر مقدم؛ وتكون الجملة استئنافية مستقلة مقررة لمعنى دلالي جديد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{خَلْقِكُمْ}: الخَلْق: إيجاد الشيء وتقديره على غير مثال سابق، والمراد هنا أطوار خلق الإنسان وتكوينه البديع من نطفة فعلقة فمضغة إلى تمام النشأة.
{دَابَّةٍ}: اسم فاعل من دَبَّ يَدِبُّ دَبّاً ودَبِيباً؛ وهو كل حيوان يدب على وجه الأرض، ويشمل كل ذي روح متحرك.
{يُوقِنُونَ}: الإيقان: استقرار المعرفة التامة في القلب دون أدنى شك أو تردد؛ من يقن الماء إذا ركد واستقر.
الإعراب الدقيق:
{وَفِي}: الواو عاطفة أو استئنافية، في حرف جر.
{خَلْقِكُمْ}: خلقِ اسم مجرور بفي وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو مضاف، والكاف ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه، والميم للجمع، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم (أو معطوفان على الجار والمجرور في الآية السابقة).
{وَمَا}: الواو عاطفة، ما اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على {خلقكم} (أو مصدرية).
{يَبُثُّ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو يعود على الله تعالى، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{مِن}: حرف جر لبيان الجنس.
{دَابَّةٍ}: اسم مجرور بمن وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (يبث) أو بحال محذوفة.
{آيَاتٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة في قراءة الرفع، أو اسم معطوف منصوب بالكسرة في قراءة الكسر.
{لِقَوْمٍ}: جار ومجرور متعلقان بنعت محذوف لـ (آيات).
{يُوقِنُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة في محل جر نعت لـ (قوم).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج الدقيق من الآفاق إلى الأنفس:
بعد أن بدأ بالكون المحيط الأوسع {فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، انتقل إلى الدائرة الألصق بالإنسان {وَفِي خَلْقِكُمْ}، ثم إلى الكائنات الحية المشاركة له في العيش {وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ}؛ ليكون البرهان محاصراً للغفلة من الخارج ومن الداخل.
الملاءمة البلاغية لفاصلة {يُوقِنُونَ}:
خُتمت الآية بـ {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} بعد أن خُتمت الأولى بـ {لِلْمُؤْمِنِينَ}؛ لأن دراسة تفاصيل التكوين الحيوي المعقد في خلق الإنسان والدواب تنقل المؤمن من مجرد الإيمان العام إلى درجة "اليقين الراسخ" الذي يستحيل معه الشك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض التفسير العشوائي لنشأة الحياة:
إن تباين أجناس الدواب وتنوع وظائفها الحيوية وهدايتها الغريزية إلى تحصيل معاشها ورعاية صغارها يقطع باستحالة الصدفة؛ فالتعبير بـ {وَمَا يَبُثُّ} ينسب الفعل إلى فاعل حكيم يبث الحياة بقدرة مطلقة، مما يبطل كل تصور مادي عبثي لنشأة الكائنات الحية.
المقارنة البيانية بين خلق الإنسان والدواب: التقديم بـ {خَلْقِكُمْ} لشرف الإنسان وتكليفه وعظم ما أودع الله في تكوينه من عجائب، ثم الإتباع بـ {مَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ} لبيان اتساع القدرة الإلهية واحتوائها لملايين الأصناف والأنواع.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التدبر في عالم الأحياء: دعوة الباحثين والمؤمنين إلى دراسة علم وظائف الأعضاء وسلوك الكائنات الحية لزيادة الإيمان ورسوخ اليقين.
صيانة الكرامة الإنسانية: أن يتذكر الإنسان أصل خلقه الضعيف فيتواضع لربه، ويعلم أنه مخلوق مكرم بالعقل والبيان، فلا ينحدر باتباع شهواته إلى درك الحيوانية.