التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ٩١)مصدر غير محدد٢٢/٩١ وابن كثير (٧/ ٢٦٧-٢٦٨)مصدر غير محدد٧/٢٦٧ والقرطبي (١٦/ ١٥٢)مصدر غير محدد١٦/١٥٢: {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا}: نزلت في النضر بن الحارث وأبي جهل بن هشام وأضرابهم؛ كان أحدهم إذا بلغه شيء من آيات القرآن أو نزل حكم سخر منه واستهزأ به وتضاحك مع أصحابه تشكيكاً وتصغيراً لشأنه، كقولهم في شجرة الزقوم واستخفافهم بعدة خزنة جهنم؛ فقال تعالى متوعداً إياهم: {أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} يذل كبرياءهم ويخزيهم أمام الأشهاد.
توجيه القراءات المتواترة:
قرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم: {اتَّخَذَّهَا} بإدغام الذال في التاء؛ وقرأ باقي القراء العشرة بالإظهار {اتَّخَذَهَا}. وقرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف العاشر: {هُزُوًا} بضم الزاي وبعدها واو منونة؛ وقرأ ورش وابن كثير وابن عامر بالهمز بعد سكون الزاي (هُزْءاً).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{شَيْئًا}: نكرة تدل على القلة والحقارة؛ أي أدنى شيء أو مسألة يسيرة يظن أنه يستطيع أن يعترض عليها.
{مُّهِينٌ}: اسم فاعل من أهان؛ وهو العذاب الذي يصحبه الإذلال والخزي وسحق المكانة.
الإعراب الدقيق:
{وَإِذَا}: الواو عاطفة، إذا ظرف لما يُستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{عَلِمَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والجملة في محل جر بالإضافة لـ (إذا).
{مِنْ آيَاتِنَا}: متعلقان بعلم أو بحال محذوفة من (شيئاً)، وآيات مضاف و(نا) مضاف إليه.
{شَيْئًا}: مفعول به لـ (علم) منصوب بالفتحة الظاهرة.
{اتَّخَذَهَا}: اتخذ فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر، والهاء مفعول به أول، وجملة اتخذها جواب شرط إذا لا محل لها من الإعراب.
{هُزُوًا}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة.
{أُولَٰئِكَ}: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
{عَذَابٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، وجملة (لهم عذاب) في محل رفع خبر اسم الإشارة (أولئك).
{مُّهِينٌ}: نعت لـ (عذاب) مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة الجزائية الصارمة:
لما استكبر المستكبر في الآية السابقة وتصامم، ثم استهزأ بآيات الله في هذه الآية محاولاً تحقيرها؛ كان الجزاء من جنس العمل تماماً: {عَذَابٌ مُّهِينٌ}؛ فالاستهزاء يقابله الإهانة والإذلال، كما قوبل الإصرار والغلظة بالعذاب الأليم الموجع.
دقة التعبير بـ {عَلِمَ... شَيْئًا}:
لم يقل (فهم الآيات) أو (أحاط بها)، بل قال {عَلِمَ... شَيْئًا}؛ لأن علمه سطحي مجتزأ، لا يبحث عن الحقيقة بل يتصيد ما يظنه مدخلاً للطعن والتهكم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سلاح السخرية عجز منطقي مفضوح:
اللجوء إلى الهزء والسخرية حيلة الضعيف العاجز عن المحاجة العقلية والبرهان؛ فالمشركون لما أعجزهم القرآن عن الإتيان بمثله تحولوا إلى السخرية والتشغيب لصرف العوام عن الاستماع، وهذا ديدن كل مبطل عاجز عن مواجهة قوة الحجة في كل العصور.
الإشارة بـ {أُولَٰئِكَ}: لبعد رتبتهم في السقوط والمهانة والخزي.
تنكير {شَيْئًا}: للتقليل؛ أي مهما قل ما سمعه أو علمه سارع إلى اتخاذه مادة للسخرية، وتنكير {عَذَابٌ مُّهِينٌ} للتهويل والتفخيم.
عود الضمير في {اتَّخَذَهَا}: يعود على الآيات كلها، مع أنه علم منها شيئاً يسيراً؛ إشعاراً بأن الطعن في آية واحدة من آيات الله كفر بالآيات كلها واستهزاء بكتاب الله جميعه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم شعائر الله وحرماته: تعظيم آيات الله والوقوف عند حدوده، والحذر الشديد من الاستهانة بأي حكم شرعي أو جعله مادة للتندر والمزاح.
اليقين بأن المستهزئين مخذولون: تثبيت قلوب المؤمنين والدعاة بأن سخرية الطغاة والمستهزئين بالدين ما هي إلا سحابة صيف عابرة عاقبتها خزي الدنيا وعذاب مهين في الآخرة.