التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ١١٦-١١٧)مصدر غير محدد٢٢/١١٦، وابن كثير (٧/ ٢٧٦)مصدر غير محدد٧/٢٧٦، والقرطبي (١٦/ ١٧١)مصدر غير محدد١٦/١٧١: في تذكيرهم بمواقفهم المادية الجاحدة في الدنيا: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}: إذا ذكركم الدعاة والرسل بأن وعد الله بالبعث والجزاء حق لا مرية فيه، وأن الساعة آتية لا شك في مجيئها؛ {قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ}: قلتم استهزاءً وشكاً: لا نعلم ما هذه الساعة ولا نتحقق منها؛ {إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا}: ما نتوقع وقوعها إلا توهماً وحدساً باطلاً، {وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}: ولسنا على يقين من مجيئها، بل نحن في شك ومراء منها؛ فكذبتم بالحق وسخرتم من النذير.
توجيه القراءات المتواترة:
قرأ حمزة وحده: {وَالسَّاعَةِ} بجر التاء؛ عطفاً على {وَعْدِ اللَّهِ} المجرور بالإضافة؛ أي: إن وعد الله ووعدَ الساعةِ حقٌ، أو عطفاً على المجرور بحرف القسم أو ما بعده.
وقرأ الباقون من القراء العشرة: {وَالسَّاعَةُ} برفع التاء؛ على الابتداء، والجملة المنفية {لَا رَيْبَ فِيهَا} خبرها، أو بالنصب {وَالسَّاعَةَ} عطفاً على اسم إنّ {وَعْدَ اللَّهِ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{نَدْرِي}: الدِّرَاية: المعرفة المتحصلة بنوع من التأمل والبحث؛ ونفيها هنا يفيد التجاهل التام والتنصل.
{ظَنًّا}: مفعول مطلق مؤكد، يفيد التردد الخالي من البرهان.
{بِمُسْتَيْقِنِينَ}: جمع مستيقن؛ وهو من وصل إلى درجة اليقين والقطع الذي لا يتخلله شك.
الإعراب الدقيق:
{وَإِذَا}: الواو عاطفة، إذا ظرف زمان متضمن معنى الشرط خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{قِيلَ}: فعل ماض مبني لما لم يُسمَّ فاعله مبني على الفتح.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{وَعْدَ}: اسم إنّ منصوب بالفتحة، وهو مضاف، {اللَّهِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{حَقٌّ}: خبر إنّ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{وَالسَّاعَةُ}: الواو عاطفة، الساعةُ مبتدأ مرفوع بالضمة (أو اسم معطوف مجرور {وَالسَّاعَةِ} في قراءة حمزة).
{لَا}: نافية للجنس تعمل عمل إنّ.
{رَيْبَ}: اسم لا مبني على الفتح في محل نصب.
{فِيهَا}: متعلقان بمحذوف خبر لا، وجملة لا ريب فيها خبر المبتدأ (الساعة)، وجملة إن وما في حيزها في محل رفع نائب فاعل لـ (قيل).
{قُلْتُم}: فعل وفاعل، وجملة قلتم جواب شرط إذا لا محل لها من الإعراب.
{ظَنًّا}: مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة (أو مفعول به).
{وَمَا}: الواو عاطفة لتأكيد النفي، ما نافية تعمل عمل ليس (حجازية) أو مهملة (تميمية).
{نَحْنُ}: ضمير منفصل في محل رفع اسم ما (أو مبتدأ).
{بِمُسْتَيْقِنِينَ}: الباء حرف جر زائد لتأكيد النفي، مستيقنين خبر ما (أو خبر المبتدأ) مجرور لفظاً منصوب محلاً بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تسجيل اعترافاتهم المدانة من واقع سجلهم الدنيوي:
الآية تعرض نص ما كانوا يتلفظون به في دنياهم من عبارات التشكيك والتهكم؛ لتكون شهادة عليهم من ألسنتهم؛ فالله لا يعاقبهم بمجرد علمه السابق بل بعد مواجهتهم بأقوالهم المسجلة في كتاب الأعمال.
التردي من الشك إلى الإنكار:
التعبير بـ {إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} يكشف حالة التردد المعرفي والمراوغة؛ فهم لا يملكون نفياً علمياً جازماً، ومع ذلك يرتبون على هذا الظن إعراضاً كاملاً عن الإيمان والاستعداد للمعاد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان الاكتفاء بالظن في قضايا المصير الكبرى:
تحاكم الآية الموقف العقلي للمشككين: قضية البعث والخلود والنجاة من النار قضية خطيرة تمس مصير الإنسان الأبدي؛ فكيف يعقل ذو عقل أن يقابل هذا الخطر الداهم بمجرد الظنون والتبلد: {إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا} دون أن يبحث بجدية عن اليقين وينقذ نفسه من الهلاك المحتمل؟! فالاحتمال العقلي للعذاب يوجب الحذر فكيف باليقين المستند إلى براهين الوحي؟!