التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري في جامع البيان (٢٢/ ١١٣-١١٥)مصدر غير محدد٢٢/١١٣، وابن كثير في تفسيره (٧/ ٢٧٥-٢٧٦)مصدر غير محدد٧/٢٧٥، والقرطبي (١٦/ ١٦٩)مصدر غير محدد١٦/١٦٩: {هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ}: هذا كتاب الأعمال الذي كتبته الملائكة الحفظة الكرام بأمرنا يشهد عليكم بأعمالكم شاهداً ناطقاً بالحق والصدق والعدل، لا يزيد ذرة ولا ينقص مثقال خردلة؛ {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}: الاستنساخ عند عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والحسن البصري: أن الملائكة الحفظة تكتب أعمال العباد وتستنسخها في صحائفهم بأمر الله تعالى؛ وقيل: تستنسخ الملائكة كل عام في ليلة القدر من اللوح المحفوظ أرزاق العباد وآجالهم وأعمالهم، ثم تقابل كتب الحفظة بما كُتب أولاً في اللوح المحفوظ فلا يخرم منه حرف واحد؛ إظهاراً لعلم الله المحيط وكمال عدله.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على قراءة هذه الآية الكريمة، مع مراعاة إخفاء النون عند الطاء في {يَنطِقُ} وعند السين في {نَسْتَنسِخُ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يَنطِقُ}: النطق: التكلم بالصوت المفهوم الدال على المعنى؛ وأُسند النطق إلى الكتاب مجازاً واستعارة تصريحية؛ لأن ما كُتب فيه من وضوح الشهادة والبيان يقوم مقام النطق الصريح باللسان.
{نَسْتَنسِخُ}: الاستنساخ: طلب النسخ والنقل؛ نسَخ الكتاب إذا نقل ما فيه حرفاً بحرف، والسين والتاء للطلب أو للتوكيد؛ أي نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم وتقييدها بدقة تامة.
الإعراب الدقيق:
{هَٰذَا}: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{كِتَابُنَا}: كتابُ خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف، و(نا) ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه (أو بدل، وخبره ينطق).
{يَنطِقُ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو يعود على الكتاب، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الكتاب (أو خبر ثانٍ).
{عَلَيْكُم}: متعلقان بينطق، والميم للجمع.
{بِالْحَقِّ}: الجار والمجرور في محل نصب حال من فاعل ينطق؛ أي ناطقاً متلبساً بالصدق والعدل.
{إِنَّا}: إنّ حرف توكيد ونصب، و(نا) ضمير متصل مبني في محل نصب اسم إنّ.
{كُنَّا}: فعل ماض ناقص مبني على السكون، و(نا) ضمير متصل في محل رفع اسم كان.
{نَسْتَنسِخُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره نحن، وجملة نستنسخ خبر كان، وجملة كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر إنّ.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به لـ (نستنسخ) (أو مصدرية).
{كُنتُمْ}: فعل ماض ناقص مبني على السكون والتاء اسمه.
{تَعْمَلُونَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة خبر كان، وجملة كان صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تجسيد العدالة الرقابية والتوثيقية:
بعد أن صوّر جثو الأمم واستدعاءها إلى كتبها في الآية السابقة: {كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا}، جاء هذا القول التقريري الحاسم: {هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ}؛ ليقطع على المكذبين كل سبيل للإنكار أو الاعتذار؛ فالكتاب مسجل بدقة لا تدع مجالاً لمنازعة.
إضافة الكتاب إلى نون العظمة الإلهية:
قوله {كِتَابُنَا}: تشريف وإسناد للتوثيق الإلهي؛ فالكتاب صادر بأمر الله وتدبير ملائكته، ومحفوظ من أي تحريف أو تزوير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد دعوى النسيان أو الخطأ في الحساب:
قد يظن الإنسان أن بعض أعماله وأقواله العابرة تضيع مع تقادم السنين؛ فجاءت كلمة {نَسْتَنسِخُ} لتقرر أن كل حركة، ولفظة، ونية، مسجلة بنظام رقابي رباني دقيق لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، فيعترف العبد بجنايته ويُلزم بالحجة القاطعة.