التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ٨٧-٨٨)مصدر غير محدد٢٢/٨٧ وابن كثير (٧/ ٢٦٦-٢٦٧)مصدر غير محدد٧/٢٦٦ والقرطبي (١٦/ ١٥١)مصدر غير محدد١٦/١٥١: اختلاف الليل والنهار بتعاقبهما هذا بظلامه وسكونه وهذا بضيائه وانتشاره، وطولهما وقصرهما، وما أنزل الله من السماء من مطر سمّاه الله رزقاً لأنه سبب الأرزاق وحياة العباد، فيحيي به الأرض الميتة الهامدة فتهتز وتربو وتخرج من كل زوج بهيج، وتصريف الرياح شمالاً وجنوباً، وصباً ودبوراً، وحارة وباردة، ولواقح ومبشرات؛ كل هذه المتغيرات المنضبطة آيات باهرة لقوم يعقلون؛ أي يستعملون عقولهم في إدراك الغايات والربط بين الأسباب ومسبباتها.
توجيه القراءات المتواترة:
قرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر: {وَاخْتِلَافِ} بجر الفاء، و{آيَاتٍ} بكسر التاء منونة معطوفة على المنصوب الأول.
وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب: {وَاخْتِلَافِ} بجر الفاء، و{آيَاتٌ} برفع التاء مبتدأ مؤخر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكامل الثالوث الاستدلالي العظيم:
الآية الأولى (٣): السماوات والأرض (الكيان الكلي) -> {لِلْمُؤْمِنِينَ}.
الآية الثانية (٤): خلق الأنفس والدواب (الحياة الحيوية العضوية) -> {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.
الآية الثالثة (٥): حركة الزمن والمناخ والمياه (النظام الديناميكي المحرك للحياة) -> {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.
التناسب البلاغي لخاتمة {يَعْقِلُونَ}:
اختلاف الليل والنهار، وسقوط المطر وإحياء الأرض، وتصريف الرياح، عمليات تتطلب إعمال العقل والربط الدقيق بين القوانين الكونية والأسباب والنتائج؛ فكان العقل هو الأداة الإدراكية الأنسب لاكتشاف الحكمة الإلهية من ورائها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
البرهان العقلي على البعث والنشور:
قوله {فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} يتضمن دليلاً عقلياً قاطعاً على البعث؛ فالذي يحيي التربة الهامدة الجافة بالماء حتى تنبت وتتحرك قادر بيقين العقل على إعادة الأجساد بعد فنائها وتحللها في التراب: {كَذَٰلِكَ النُّشُورُ}.
المجاز المرسل: إطلاق {رِزْقٍ} على المطر؛ علاقته السببية؛ لأن المطر ينزل به الرزق، وهو يملأ النفس أملاً واستبشاراً بالرحمة.
الاستعارة المكنية والتبعية في {مَوْتِهَا} و{أَحْيَا}: شبه جفاف الأرض ويبسها بالموت، ونضارتها بالنماء والحياة.
التعبير بـ {تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ}: دلالة على الإتقان والتحكم المطلق؛ فالرياح ليست هواء عشوائياً بل تصريف رباني مقدر بمقادير محكمة لمصالح الخلق والإنبات وتلقيح السحاب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر المنعم على انتظام النواميس الكونية: تذكر أن تعاقب الفصول وهبوب الرياح ونزول الغيث ليست أفعالاً طبيعية آلية صماء، بل نعم ربانية مستدامة توجب الشكر والطاعة.
تحرير العقل من التبلد: استنهاض العقل البشري ليتفكر في المألوفات اليومية التي اعتاد الناس رؤيتها فغفلوا عن عظمة منشئها.