التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري في جامع البيان (٢٢/ ٩٣)مصدر غير محدد٢٢/٩٣، وابن كثير في تفسيره (٧/ ٢٦٨)مصدر غير محدد٧/٢٦٨، والقرطبي (١٦/ ١٥٣)مصدر غير محدد١٦/١٥٣: {هَٰذَا هُدًى}: أي هذا القرآن العظيم الذي أنزلناه بلسان عربي مبين هدى تام ودلالة واضحة على صراط الله المستقيم؛ يهدي من استضاء بنوره إلى كل خير ونجاة؛ {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ}: والذين جحدوا بدلائل توحيده وأنكروا نبوة رسوله وكذبوا بكتابه؛ {لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ}: الرجز هو أشد العذاب وأقذره وأغلظه؛ فاستحقوا عقوبة موجعة لا يُقادر قدر ألمها.
توجيه القراءات المتواترة:
قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم: {أَلِيمٌ} برفع الميم منونة، نعتاً لـ (عذاب)؛ أي لهم عذاب مؤلم كائن من جنس الرجز الشديد.
وقرأ الباقون من القراء العشرة (نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وشعبة عن عاصم، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف العاشر): {أَلِيمٍ} بجر الميم منونة، نعتاً لـ (رجز)؛ أي من رجز مؤلم بالغ الغاية في الإيجاع والنكاية. والقراءتان متواترتان تزيدان المعنى تأكيداً وإحاطة بصفات العذاب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{هُدًى}: مصدر هدى يهدي هداية؛ وهو الدلالة الموصلة إلى البغية والمقصد؛ واستعمال المصدر هنا للمبالغة؛ أي أنه عين الهدى ومحض الرشاد.
{رِّجْزٍ}: الرِّجْز: في لسان العرب: أشد العذاب وعظمه، وأصله من الاضطراب والارتعاد؛ وسمي به العذاب لأنه يورث المعذب اضطراباً ورعدة من شدة الألم.
{أَلِيمٌ}: فعيل للمبالغة من الألم؛ وهو الوجع الشديد الحسي والمعنوي.
الإعراب الدقيق:
{هَٰذَا}: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{وَالَّذِينَ}: الواو عاطفة أو استئنافية، الذين اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
{كَفَرُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{بِآيَاتِ}: متعلقان بكفروا، وآيات مضاف.
{رَبِّهِمْ}: مضاف إليه مجرور، والهاء مضاف إليه، والميم للجمع.
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
{عَذَابٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، وجملة (لهم عذاب) في محل رفع خبر المبتدأ (الذين).
{مِّن رِّجْزٍ}: متعلقان بنعت محذوف لـ (عذاب).
{أَلِيمٌ}: نعت مرفوع لـ (عذاب) في قراءة ابن كثير وحفص، أو نعت مجرور لـ (رجز) {أَلِيمٍ} في قراءة الجمهور.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة بين حقيقة القرآن وجزاء المعاندين:
بعد أن فصّل القرآن آيات الكون واستكبر الأفاك الأثيم عن سماعها، جاء هذا الحكم الفصل: {هَٰذَا هُدًى}؛ ليعلن أن القرآن في ذاته هداية مطلقة ونور تام، فمن لم يهتدِ به فالعيب في بصيرته المنكوسة لا في نور الوحي، وجزاؤه الرجز الأليم.
الإيجاز التقريري الباهر:
جملة اسمية محكمة مكونة من مبتدأ وخبر {هَٰذَا هُدًى} تقطع الشك وتختصر حقيقة الرسالة كلها في كلمتين، لتقابلها جملة تفصيل الوعيد للمكذبين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإشكال: إذا كان القرآن هدى بذاته، فلماذا كان سبباً في زيادة ضلال بعض الكفار كما قال تعالى: {وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا}؟
المحاكمة والبيان:
القرآن هدى في أصله وطبيعته؛ كالشمس المنيرة في ذاتها؛ فإذا عَمِيَ عنها الأعمى أو أغمض ذو العينين بصره كراهة لضيائها، لم يكن العمى من الشمس بل من آفة في البصر. فالكافر لما كفر بآيات ربه استحالت تلك الهداية عنده إلى حسرة وعذاب بسبب عناده وكبريائه.
قصر المبتدأ على الخبر بـ {هَٰذَا هُدًى}: جعل القرآن كأنه مجسم الهدى ونفسه، لا مجرد كتاب هادٍ، مبالغة في كمال دلالته.
إضافة الربوبية في {بِآيَاتِ رَبِّهِمْ}: تشنيع عظيم لجرمهم؛ فالمكذوب به ليس شخص النبي، بل آيات الرب المنعم الخالق المربي بالنعم، فكان كفرهم جحوداً لفضل المربي سبحانه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستمساك بهداية القرآن: اليقين التام بأن الشفاء والنور والرشاد محصور في كتاب الله؛ فمن التمس الهدى في غيره أضله الله.
الوجل من عذاب الرجز: استشعار هول هذا العذاب الرهيب الذي يخلع القلوب، والحذر من أدنى درجات التكذيب أو الاعتراض على آيات الله.