التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ١٠٥)مصدر غير محدد٢٢/١٠٥ وابن كثير (٧/ ٢٧٢)مصدر غير محدد٧/٢٧٢ والقرطبي (١٦/ ١٦١)مصدر غير محدد١٦/١٦١: {وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ}: أي لم يخلقهما عبثاً ولا باطلاً ولا لعباً، بل خلقهما بالعدل والحكمة ليدل خلقهما على كمال قدرته وتفرده بالألوهية؛ {وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}: ولتتم دار التكليف في الدنيا ثم دار الجزاء في الآخرة، فيوفي الله كل نفس جزاء ما كسبت من خير أو شر؛ {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}: لا يُنقص من حسنات المحسن ولا يُزاد في سيئات المسيء مثقال ذرة.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على بناء الفعل للمجهول في {وَلِتُجْزَىٰ} بالتاء المضمومة، ونصب {كُلُّ} على أنها نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{بِالْحَقِّ}: الباء للملابسة؛ أي ملتبسة بالحق والعدل؛ والحق ضد الباطل والعبث.
{لِتُجْزَىٰ}: الجزاء: المكافأة على الشيء وفاقاً؛ من جزى يجزي جزاءً.
{كَسَبَتْ}: الكسب: تحصيل الشيء بالعمل والسعي؛ ويشمل عمل الجوارح وعمل القلب.
{يُظْلَمُونَ}: الظلم: وضع الشيء في غير موضعه المخصوص؛ ونقص الحق أو مجاوزة الحد.
الإعراب الدقيق:
{وَخَلَقَ}: الواو استئنافية، خلق فعل ماض مبني على الفتح.
{اللَّهُ}: اسم الجلالة فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{السَّمَاوَاتِ}: مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{وَالْأَرْضَ}: معطوف منصوب بالفتحة الظاهرة.
{بِالْحَقِّ}: الجار والمجرور في محل نصب حال من فاعل خلق أو مفعوله؛ أي خلقهما متلبساً بالحق والحكمة.
{وَلِتُجْزَىٰ}: الواو عاطفة على علة محذوفة (أي: خلقهما ليدل على قدرته ولتجزى)، اللام لام التعليل، تجزى فعل مضارع مبني لما لم يُسمَّ فاعله منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل بالفتحة المقدرة للتعذر.
{كُلُّ}: نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{نَفْسٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{بِمَا}: الباء سببية، ما موصولية أو مصدرية في محل جر متعلقان بـ (تجزى).
{وَهُمْ}: الواو حالية، هم ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{لَا}: نافية.
{يُظْلَمُونَ}: مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة خبر هم، وجملة (وهم لا يظلمون) في محل نصب حال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الربط المحكم بين "الخلق الكوني" و"الجزاء الأخلاقي":
الآية ترسي أصلاً عقدياً فلسفياً عظيماً: عالم الطبيعة المادي (السماوات والأرض) مرتبط ارتباطاً عضوياً بعالم التكليف والجزاء الأخلاقي؛ فالكون لم يُبنَ ليكون مسرحاً عبثياً بلا غاية، بل خُلق بالحق ليكون منصة للابتلاء الذي ينتهي حتماً بالجزاء العادل.
تأكيد نفي الظلم:
ختم الآية بنفي الظلم {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} كمال التوثيق لميزان القسط؛ فلا حيف ولا محاباة ولا ضياع لأي عمل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إبطال العدمية والعبثية الوجودية:
ترد الآية رداً صاعقاً على الفلسفات العدمية والدهرية التي تزعم أن الوجود صدفة عشوائية والكون مجرد تفاعلات ذرية عمياء؛ فالقرآن يقرر أن "الحق" هو روح الوجود وعلته الغائية، وأن الحساب والجزاء هو المعيار الذي تنكشف به حكمة الخلق.
التعبير بـ {بِالْحَقِّ}: كلمة جامعة لكل معاني الإتقان، والقسط، والعدل، والجمال، والصواب، والخلود.
العموم بـ {كُلُّ نَفْسٍ}: لا يستثنى مخلوق من التكليف والمسؤولية، من نبي مقرب أو طاغية متكبر.
الجملة الحالية {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}: تفيد تأكيد استقرار العدالة الإلهية المطلقة كحالة دائمة ثابتة في مشهد القضاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم حرمة الأعمال: أن يدرك الإنسان أن كل خاطرة ولحظة وعمل مسجل عليه ومحسوب في كسبه: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}.
الثقة التامة بعدالة الله: السكينة والاطمئنان عند وقوع المظالم في الدنيا، واليقين بأن محكمة الآخرة لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها.