التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ٩٠)مصدر غير محدد٢٢/٩٠ وابن كثير (٧/ ٢٦٧)مصدر غير محدد٧/٢٦٧ والقرطبي (١٦/ ١٥٢)مصدر غير محدد١٦/١٥٢: في وصف هذا الأفاك الأثيم: أنه يستمع إلى القرآن العظيم وبراهين الله تتلى عليه واضحة جلية تقرع مسامعه، {ثُمَّ يُصِرُّ}: أي يثبت ويقيم على كفره وعناده وتمرده، {مُسْتَكْبِرًا}: متعالياً بأنفه عن الخضوع للحق واتباع الرسول، {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا}: كأنه لم تطرق سمعه لفرط إعراضه وتبلده، {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}: فأنذره يا محمد بنكال موجع في نار جهنم، وعُبّر بالبشارة تهكماً به وإظهاراً لخيبته.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على قراءة الآية، مع مراعاة تخفيف الهمز وإدغامه عند ورش وحمزة في {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يُصِرُّ}: الإصرار: الثبات على الشيء واللزوم له والامتناع عن الرجوع عنه؛ من صَرَّ الشيء يصرّه إذا شده وربطه بقوة، ومنه صَرّة النقود.
{مُسْتَكْبِرًا}: اسم فاعل من استكبر؛ وهو إظهار الكبر والتعاظم والأنفة عن قبول الحق احتقاراً له ولأهله.
{أَلِيمٍ}: فعيل بمعنى مُفْعِل؛ أي مؤلم يبلغ الغاية في الوجع الحسي والنفسي.
الإعراب الدقيق:
{يَسْمَعُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو يعود على (أفاك أثيم)، والجملة في محل جر نعت ثانٍ لـ (أفاك).
{آيَاتِ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، وهو مضاف.
{اللَّهِ}: اسم الجلالة مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{تُتْلَىٰ}: فعل مضارع مبني لما لم يُسمَّ فاعله مرفوع بالضمة المقدرة، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي، والجملة في محل نصب حال من آيات الله.
{عَلَيْهِ}: متعلقان بتتلى.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد الترتيب والتراخي المعنوي واستبعاد وقوع الإصرار بعد السماع.
{يُصِرُّ}: فعل مضارع معطوف على يسمع مرفوع بالضمة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو.
{مُسْتَكْبِرًا}: حال منصوبة وعلامة نصبها الفتحة الظاهرة من فاعل يصر.
{كَأَن}: مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن محذوف تقديره: كأنه.
{لَّمْ}: حرف نفي وجزم وقلب.
{يَسْمَعْهَا}: فعل مضارع مجزوم بلم، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به، وجملة لم يسمعها خبر كأن، وجملة كأن في محل نصب حال ثانية.
{فَبَشِّرْهُ}: الفاء رابطة لجواب شرط مقدر، بشّر فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت، والهاء مفعول به.
{بِعَذَابٍ}: متعلقان ببشره.
{أَلِيمٍ}: نعت لـ (عذاب) مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
استهجان الموقف بـ {ثُمَّ}:
مجيء {ثُمَّ} هنا لاستبعاد الموقف عقلاً وفطرة؛ فالأصل فيمن يسمع آيات الله المؤيدة بالبراهين الكونية أن يخشع ويؤمن فوراً، فكان إصراره واستكباره بعد السماع أمراً عجيباً مستنكراً يفوق كل خيال.
الجمع بين صفتي الإصرار والاستكبار:
الإصرار لزوم المعاندة زمانياً، والاستكبار علة هذا اللزوم نفسياً؛ فالكبر هو الحجاب الكثيف الذي يحول بين المعاند وبين النور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة الكبر في الميزان النبوي:
الآية ترسم التطبيق العملي لما فسر به النبي صلى الله عليه وسلم الكبر في صحيح مسلم (٩١): "الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ"؛ فهذا المعاند يبطر الحق برده لآيات الله، ويغمط الناس بالاستعلاء عليهم، فكان مستحقاً للعذاب الأليم لسقوطه الأخلاقي والمعرفي التام.
التشبيه التمثيلي في {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا}: تصوير رائع لشدة التبلد والإعراض؛ حيث يرى السامع الحجة ساطعة ومع ذلك يتصرف كأنه أصم لم يقرع سمعه صوت قط، نفاقاً وتصامياً.
التهكم في {فَبَشِّرْهُ}: البشارة في الأصل تكون بالخير والسارّ من الأخبار، فإطلاقها على العذاب الأليم ضرب من التهكم المذل الذي يحطم أنفة المتكبرين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من الإصرار على الخطأ: المسلم سريع الأوبة والتوبة؛ إذا ذُكّر بالله تذكر وإذا تليت عليه الآيات أناب وخضع، والإصرار على الذنب والاستكبار عن قبول النصيحة من شيم أهل النكال.
الإنصات الواعي للقرآن: أن يستقبل القلب آيات الله بالتعظيم والافتقار، لا بمجرد السماع الحسي المجرد الذي لا يجاوز الآذان.