التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ١٠٥-١٠٧)مصدر غير محدد٢٢/١٠٥، وابن كثير (٧/ ٢٧٣)مصدر غير محدد٧/٢٧٣، والقرطبي (١٦/ ١٦١-١٦٣)مصدر غير محدد١٦/١٦١: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ}: أي انظر يا محمد وتعجب ممن جعل معبوده ومتبوعه ما تهواه نفسه وتستحسنه من غير استناد إلى برهان من الله ولا شرع منزل؛ فما هويه قلبه من شيء ركبه، فإن استحسن حجراً عبده، وإن استحسن ضلالة دان بها، وإن دعته شهوة إلى معصية واقعها؛ {وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ}: فيه وجهان لأئمة السلف:
١. أضله الله لعلم الله السابق فيه بأنه خبيث المحل لا يصلح للهداية ولا يزكو على الحق.
٢. أضله الله على علم من هذا الكافر بالحق وبطلان ما هو عليه، ولكنه آثر هواه وعاند وكابر عن علم ويقين بالحق؛ وهو اختيار ابن عباس وقتادة والحسن.
{وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ}: طبع على سمعه فلا يعي موعظة، وعلى قلبه فلا يفقه حجة؛ {وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً}: غطاء وظلمة فلا يبصر آيات الله العظيمة؛ {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ}: لا أحد يهديه إذا خذله الله وأضله؛ {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}: فتعتبروا وتنقادوا للحق.
توجيه القراءات المتواترة:
قرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر: {غِشْوَةً} بكسر الغين وسكون الشين من غير ألف.
وقرأ الباقون من القراء العشرة: {غِشَاوَةً} بكسر الغين وفتح الشين وبعدها ألف. وهما اسمان للغطاء والستر كاللحاف واللحفة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{هَوَاهُ}: الهَوَى: ميل النفس لشهواتها؛ وأصله من الهُوِيّ وهو السقوط من علو إلى سفل.
{خَتَمَ}: الختم والطبع: الاستيثاق من الشيء بتغطيته وختم منافذه فلا يدخله شيء ولا يخرج منه شيء.
{غِشَاوَةً}: الغشاء والغشاوة: الغطاء الساتر المانع من الرؤية.
الإعراب الدقيق:
{أَفَرَأَيْتَ}: الهمزة للاستفهام والتعجيب، الفاء عاطفة على مقدر، رأيت فعل ماض مبني على السكون، والتاء ضمير متصل فاعل.
{مَنِ}: اسم موصول مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين في محل نصب مفعول به أول لـ (رأيت).
{اتَّخَذَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو.
{إِلَٰهَهُ}: مفعول به أول لـ (اتخذ) أو ثانٍ مقدم منصوب، والهاء مضاف إليه.
{هَوَاهُ}: مفعول به ثانٍ لـ (اتخذ) أو أول مؤخر منصوب بالفتحة المقدرة، والهاء مضاف إليه، وجملة اتخذ صلة الموصول.
{وَأَضَلَّهُ}: عاطفة وفعل ومفعول به.
{اللَّهُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{عَلَىٰ عِلْمٍ}: الجار والمجرور في محل نصب حال من الفاعل أو المفعول.
{أَفَلَا}: الهمزة للاستفهام الإنكاري والفاء عاطفة ولا نافية.
{تَذَكَّرُونَ}: مضارع حذفت إحدى تاءيه مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف العلة النفسية لرفض الحق:
بعد أن بين شريعة الله وأن الكفار يتبعون أهواءهم {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}، فصّل هنا السيكولوجيا العميقة لعابد الهوى: كيف يتحول الهوى إلى صنم يعبد من دون الله، وكيف تعطل منافذ المعرفة والحواس الثلاث (السمع والقلب والبصر) بسبب هذا الانتكاس الفطري.
الترتيب المحكم للحواس:
بدأ بـ (السمع) لتلقي الآيات والمواعظ، ثم (القلب) لتدبرها وفقهها، ثم (البصر) لمشاهدة الآيات الكونية والاعتبار بها؛ فلما أفسدها بالهوى أُغلقت هذه المنافذ كلها بحكم الله العادل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
معنى عبادة الهوى:
العبادة في الميزان القرآني لا تقتصر على الركوع والسجود لصنم من حجر؛ بل الطاعة المطلقة والانقياد للأهواء والشهوات دون ضابط الشرع ضرب من العبادة والشرك الخفي: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ}؛ فمن قدّم رغبة نفسه وشهواتها على أوامر الله فقد اتخذ إلهه هواه في حقيقة الأمر وسقط في العبودية للذات.
تقديم المفعول {إِلَٰهَهُ} على {هَوَاهُ}: لإبراز شناعة الجرم؛ فالمستنكر ليس مجرد اتباع الهوى بل ترقيته وتأليهه وجعله معبوداً يُطاع من دون الله.
الاستعارات التمثيلية (الختم والغشاوة): تصوير حسي بديع لانغلاق منافذ الفهم والتبلد الروحي؛ فالختم يمنع نفوذ الصوت والفقه، والغشاوة تحجب نور البصيرة.
الاستفهام الإنكاري التعجيبي: {أَفَرَأَيْتَ} يثير في النفس العجب البالغ من إنسان يملك أدوات العلم ومع ذلك يختار الهوى والعمى بمحض إرادته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محاربة الهوى وتزكية النفس: الهوى أخطر أعداء الإنسان؛ فمن غلب هواه عقله ارتقى إلى مصاف الصديقين، ومن غلب هواه عقله ونزل به إلى حضيض الغواية أضله الله على علم.
صيانة منافذ القلب: المحافظة على طهارة السمع والبصر والقلب؛ فإن هذه الحواس أمانات يُسأل عنها العبد: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}.