التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ١١٠-١١١)مصدر غير محدد٢٢/١١٠ وابن كثير (٧/ ٢٧٤)مصدر غير محدد٧/٢٧٤ والقرطبي (١٦/ ١٦٧)مصدر غير محدد١٦/١٦٧: {قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ}: قل لهم يا محمد رداً على تعنتهم ودهريتهم: الله هو الذي أنشأكم من العدم وأحياكم في هذه الحياة الدنيا، ثم هو الذي يقبض أرواحكم عند انقضاء آجالكم ويميتكم؛ فكيف تنسبون الإحياء والموت إلى الدهر والطبيعة؟! {ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ}: ثم هو القادر الذي يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد للحساب والجزاء في ذلك اليوم المشهود الذي لا شك في وقوعه؛ {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}: ولكن أكثر الناس غافلون جهال لا يتدبرون براهين التوحيد والقدرة، فينكرون البعث لقصور مداركهم.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على كسر اللام في {قُلِ} لالتقاء الساكنين، وضم الياء في {يُحْيِيكُمْ} و{يُمِيتُكُمْ} و{يَجْمَعُكُمْ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يُحْيِيكُمْ}: الإحياء: إفاضة الحياة في الجسد ونفخ الروح فيه؛ أحيا يحيي إحياءً.
{يُمِيتُكُمْ}: الإماتة: سلب الحياة وقبض الروح؛ أمات يميت إماتة.
{يَجْمَعُكُمْ}: الجمع: ضم المتفرقات وحشر الخلائق في موضع واحد؛ جمع يجمع جمعاً.
{رَيْبَ}: الريب: الشك مع قلق النفس واضطرابها.
الإعراب الدقيق:
{قُلِ}: فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{اللَّهُ}: اسم الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة (أو فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده).
{يُحْيِيكُمْ}: مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر يعود على الله، والكاف مفعول به والميم للجمع، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ والخبر مقول القول في محل نصب.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد الترتيب والتراخي.
{يُمِيتُكُمْ}: مضارع معطوف على يحييكم ومفعوله.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد التراخي لأمد البرزخ الطويل.
{يَجْمَعُكُمْ}: مضارع معطوف ومفعوله.
{إِلَىٰ}: حرف جر لانتهاء الغاية.
{يَوْمِ}: اسم مجرور بإلى وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو مضاف، والجار والمجرور متعلقان بـ (يجمعكم)؛ وتضمين يجمعكم معنى يسوقكم أو يحشركم إلى يوم القيامة.
{الْقِيَامَةِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{لَا}: نافية للجنس تعمل عمل إنّ مبنية على السكون.
{رَيْبَ}: اسم لا مبني على الفتح في محل نصب.
{فِيهِ}: متعلقان بمحذوف خبر لا، والجملة في محل نصب حال من يوم القيامة (أو استئنافية مؤكدة).
{وَلَٰكِنَّ}: الواو حالية أو استئنافية، لكنّ حرف استدراك ونصب.
{أَكْثَرَ}: اسم لكنّ منصوب بالفتحة، وهو مضاف، {النَّاسِ}: مضاف إليه.
{لَا}: نافية، {يَعْلَمُونَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر لكنّ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فالإله الذي بدأ الحياة قادر بيقين على إعادتها؛ فالمعاد أهون في مقاييس العقل من الابتداء: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}.
الاستدراك الواقعي بـ {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}:
لبيان سبب كفرهم؛ فليس الكفر لقوة في حجتهم بل لجهل مستحكم وركون إلى المحسوسات المادية وتغليب الحس على مقتضيات العقل والوحي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفنيد دعوى الموت الطبيعي التلقائي:
إسناد الإماتة إلى الله تعالى: {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} يوضح أن الموت ليس ظاهرة بيولوجية مفاجئة بغير فاعل، بل هو أجل مسمى محدد دقيق ينفذ بأمر الله وقدرته عند استيفاء الأرزاق والأنفاس، فالخالق هو الفاعل لكل طور من أطوار الوجود.
التعبير بـ {ثُمَّ} في الموضعين: للتراخي الزمني؛ الأول تراخي مدة الحياة بين الولادة والموت، والثاني تراخي مدة البرزخ بين الموت والبعث، للدلالة على الإمهال والترتيب الإلهي العظيم.
نفي الريب بـ {لَا رَيْبَ فِيهِ}: لنفي أي مسوغ للشك؛ فاليوم واقع حتماً لا محالة، كوقوع الموت الذي لا يمارى فيه أحد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستعداد للجمع الأكبر: أن يدرك الإنسان أنه موقوف بين يدي الله مجموع مع سائر الخلائق، فيعمل لما بعد الموت ويعد للسؤال جواباً وللجواب صواباً.
التحرر من فتنة الكثرة: عدم الاغترار بكثرة المعرضين والمنكرين؛ فإن معيار الحق هو الدليل والبرهان وليس كثرة الناس: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}.