التوجيه بالمأثور: أخرج الطبري (٢٢/ ٨٩-٩٠)مصدر غير محدد٢٢/٨٩ وابن أبي حاتم عن مجاهد وقتادة وعطاء: {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ}: الويل وادٍ في جهنم يسيل من صديد أهل النار، أو هو كلمة عذاب وهلاك ودمار لكل كذاب مفترٍ (أفاك) كثير المعاصي والآثام والفجور في أفعاله (أثيم)، كأبي جهل والنضر بن الحارث وأمثالهم من صناديد الشرك الذين كذبوا بآيات الله.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على تنوين {وَيْلٌ} بالرفع على الابتداء، وكسر التنوين في {أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} جراً باللام والتبعية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{وَيْلٌ}: كلمة تدل على الهلاك والدمار والعذاب الشديد؛ وقيل وادٍ في قعر جهنم.
{أَفَّاكٍ}: صيغة مبالغة من أَفَكَ يَأْفِكُ إِفْكاً؛ والإفك هو أسوأ الكذب وقلب الحقائق عن وجهها.
{أَثِيمٍ}: صيغة مبالغة من الإثم؛ وهو كثير ارتكاب الذنوب والمعاصي والجرائم التي يستحق عليها العقاب.
{لِّكُلِّ}: اللام حرف جر للاستحقاق، كلِّ اسم مجرور باللام وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو مضاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ.
{أَفَّاكٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{أَثِيمٍ}: نعت لـ (أفاك) مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النقلة من التقرير الهادئ للآيات إلى الوعيد الصاعق للمنكرين:
بعد أن بيّن حجج التوحيد في الآفاق والأنفس وتلاوة الكتاب بالحق، انتقل إلى إعلان العقاب الصارم لكل من يقابل هذه النعم بالافتراء والآثام؛ ليعلم أن الإعراض هنا ليس عن جهل بل عن إفك مستحكم وفسوق متأصل.
الاقتران بين {أَفَّاكٍ} و{أَثِيمٍ}:
الجمع بين فساد الاعتقاد واللسان (الكذب والافتراء) وبين فساد السلوك والعمل (الآثام والفجور)؛ فالأول يورث الثاني، والكفر ملة الانحراف الفكري والعملي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الربط الجدلي بين الكذب الفكري والانحلال الأخلاقي:
توضح الآية قاعدة سننية نفسية: الإنسان الذي يرفض براهين العقل الصريحة لا يرفضها لخلل في الدليل، بل لمرض في نفسه؛ فهو (أفاك) يقلب الحقائق ويكذب على نفسه، و(أثيم) تمنعه شهواته ومعاصيه من الاستسلام لقيود الشرع؛ فشهوة المعصية تدفعه إلى ابتكار الفلسفات الكاذبة لتبرير فجوره.