التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ١٠٢)مصدر غير محدد٢٢/١٠٢، وابن كثير (٧/ ٢٧١)مصدر غير محدد٧/٢٧١، والقرطبي (١٦/ ١٥٨)مصدر غير محدد١٦/١٥٨: {إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا}: أي إن هؤلاء المشركين وأصحاب الأهواء لو اتبعت أهواءهم لم يدفعوا عنك من عذاب الله ولا من بأسه شيئاً إذا نزل بك؛ {وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}: وإن المشركين واليهود وسائر أهل الظلم يتناصرون في الباطل ويؤازر بعضهم بعضاً على قتال أهل الحق، ولكن نصرتهم باطلة وأحلافهم واهية؛ {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ}: والله تبارك وتعالى هو الناصر والمعين والمؤيد لأهل التقوى الذين اتبعوا شريعته وخافوا مقامه.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على قراءة هذه الآية الكريمة، مع مراعاة إظهار اللام في {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ}، وتنوين النصب في {شَيْئًا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يُغْنُوا}: الإغناء: الكفاية ودفع العذاب والضر؛ لن يدفعوا عنك ولا مثقال ذرة.
{أَوْلِيَاءُ}: جمع وَلِيّ؛ وهو الحليف والنصير المتضامن في النصرة والمودة.
{الْمُتَّقِينَ}: الذين اتقوا الشرك والمعاصي واتبعوا شريعة ربهم فجعلوا بينهم وبين عذاب الله وقاية.
الإعراب الدقيق:
{إِنَّهُمْ}: إنّ حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها والميم للجمع.
{مِنَ اللَّهِ}: متعلقان بمحذوف حال (أي من عذاب الله وبأسه).
{شَيْئًا}: مفعول به أو مفعول مطلق نائب عن المصدر منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَإِنَّ}: الواو استئنافية، إنّ حرف توكيد ونصب.
{الظَّالِمِينَ}: اسم إنّ منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
{بَعْضُهُمْ}: مبتدأ مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
{أَوْلِيَاءُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
{بَعْضٍ}: مضاف إليه مجرور، وجملة (بعضهم أولياء بعض) في محل رفع خبر إنّ.
{وَاللَّهُ}: الواو عاطفة أو استئنافية، اسم الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة.
{وَلِيُّ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
{الْمُتَّقِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التعليل الحاسم للنهي عن اتباع الأهواء:
بعد أن نهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون في الآية السابقة، بيّن هنا العلة العقلية والواقعية لهذا النهي: هؤلاء المبطلون عاجزون تماماً عن حمايتك من غضب الله، فلا تركن إليهم طمعاً في رضاهم أو خوفاً من بطشهم.
المقابلة بين الولايتين:
ولاية أرضية ظالمة متلاشية: {وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}، تقابلها ولاية ربانية عليا باقية لا تُهزم: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ}؛ فشتان بين من نصيره الظلمة الفانون ومن وليه رب السماوات والأرض!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قاعدة تضامن قوى الباطل في مواجهة الحق:
تكشف الآية حقيقة سياسية واجتماعية خالدة: قوى الباطل مهما اختلفت مشاربها وتناحرت مصالحها فإنها تتحد وتتولى بعضها بعضاً إذا حورب الإسلام؛ ولكن هذا التحالف الجاهلي لا يضر أهل الإيمان شيئاً ما داموا مستمسكين بالتقوى؛ لأن الله ولي المتقين وناصرهم.
النفي المؤبد بـ {لَن يُغْنُوا}: قطع جازم لكل أمل في نفعهم؛ لإسقاط هيبتهم من نفوس المؤمنين.
التعميم بـ {شَيْئًا}: لبيان العجز المطلق؛ فلا يدفعون عذاباً كبيراً ولا صغيراً.
الحصر والتشريف في {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ}: قصر ولاية الله وتوفيقه على أهل التقوى، وهو أعظم شرف وتاج كرامة يتقلده المسلم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التحرر من التبعية لأعداء الملة: الاستقلال التام في المنهج والشريعة، واليقين بأن استرضاء الظالمين بالتنازل عن ثوابت الدين خسران مبين لا يجلب إلا سخط الله وهوان الأمة.
السكينة بولاية الله: ملء القلب بالثقة المطلقة بالله؛ فمن كان الله وليه فممن يخاف؟! ومن كان الله خصمه فمن يرجو؟!