التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ٩٤)مصدر غير محدد٢٢/٩٤ وابن كثير (٧/ ٢٦٩)مصدر غير محدد٧/٢٦٩ والقرطبي (١٦/ ١٥٤)مصدر غير محدد١٦/١٥٤: يمتن الله تعالى على عباده بنعمة تسخير البحر العظيم وتطويعه لركوبهم؛ حيث جعل الماء السائل الرقيق يحمل السفن العظيمة والفلول المثقلة بالأحمال دون أن تغوص في لججه، لتجري الفلك بأمر الله وقدرته وتسخيره، وليركبها الناس مسافرين ومتاجرين يبتغون من فضل الله في التجارة وجلب المنافع من إقليم إلى إقليم واستخراج اللؤلؤ والمرجان، ولعلهم يعرفون قدر هذه النعمة فيشكرون المنعم بالتوحيد والطاعة.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على رفع اسم الجلالة {اللَّهُ}، ونصب الراء في {الْبَحْرَ}، وكسر الراء في {بِأَمْرِهِ} و{فَضْلِهِ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{سَخَّرَ}: التسخير: تذليل الشيء وتصييره منقاداً طائعاً لغيره دون كلفة ولا امتناع؛ سخّره تسخيراً.
{الْبَحْرَ}: الماء الكثير المجتمع، عذباً كان أو ملحاً، وغلب على الملح لسعته وعمقه.
{الْفُلْكُ}: السفن؛ لفظ يطلق على المفرد والجمع بلفظ واحد؛ ويذكر ويؤنث، وجاء مؤنثاً هنا لدخول تاء التأنيث في {لِتَجْرِيَ}.
{تَبْتَغُوا}: الابتغاء: طلب الشيء بجد واهتمام؛ من بَغَى إذا طلب.
الإعراب الدقيق:
{اللَّهُ}: اسم الجلالة مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ (أو نعت، والخبر محذوف أو ما بعده).
{سَخَّرَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر يعود على الله، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{لَكُمُ}: اللام حرف جر للنفع والاختصاص، والكاف ضمير متصل مبني في محل جر، والميم للجمع، وحُركت بالضم لالتقاء الساكنين، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (سخر).
{الْبَحْرَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{لِتَجْرِيَ}: اللام لام التعليل، تجريَ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{الْفُلْكُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، والمصدر المؤول من أن والفعل في محل جر باللام متعلقان بـ (سخر).
{فِيهِ}: متعلقان بتجري.
{بِأَمْرِهِ}: الباء للسببية أو الملابسة، أمرِ اسم مجرور والهاء مضاف إليه، والجار والمجرور متعلقان بحال محذوفة من الفلك؛ أي جارية بأمره وتدبيره.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال إلى نعم التسخير والانتفاع:
بعد الآيات الكونية المجردة في مطلع السورة، انتقل النظم إلى تسخير هذه الكائنات لخدمة الإنسان ومصالحه؛ ليتأكد البرهان بأن هذا الكون لم يُخلق عبثاً، بل دُبر بأمر الإله الرحيم ليكون معواناً للإنسان على تحقيق التوحيد والشكر.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد التسخير إلى الأمر الإلهي {بِأَمْرِهِ}:
قد يظن الإنسان الغافل أن السفينة تجري بقوانين الطفو والفيزياء المجردة؛ فجاء التنبيه القرآني الصارم {بِأَمْرِهِ} ليقرر أن تلك القوانين الفيزيائية ذاتها هي خلق إلهي مقدر؛ فالله هو الذي خلق خاصية الكثافة والطفو في الماء، وهو الذي أودع في الخشب والحديد خصائص الصنع، فكان الجريان في حقيقته أمراً إلهياً نافذاً لا حركة ميكانيكية عمياء.
التعبير بـ {سَخَّرَ لَكُمُ}: تقديم الجار والمجرور للامتنان؛ لإشعار الإنسان بمكانته عند ربه؛ حيث سخر هذا العنصر الهائل المتموج المخيف ليكون خادماً مسلول السلاح بين يديه.
الاستعارة واللطافة في {مِن فَضْلِهِ}: تسمية أرباح التجارة وصيد البحر فضلاً إلهياً، ليرتبط قلب الكاسب بربه لا بجهده وشطارته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استحضار مراقبة الله في الأسفار وركوب البحار: الدعاء عند ركوب الفلك والسيارات والطائرات وحمد الله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين.
الشكر العملي بالإنفاق والطاعة: أداء زكاة الأرباح والتجارات واستعمال الكسب الحلال في مرضاة الله وشكره على نعمة التيسير والأمان.