التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ٩٩)مصدر غير محدد٢٢/٩٩ وابن كثير (٧/ ٢٧٠)مصدر غير محدد٧/٢٧٠ والقرطبي (١٦/ ١٥٦)مصدر غير محدد١٦/١٥٦: يعدد الله تعالى نعمه العظام وسوابق فضله على بني إسرائيل ليحذرهم ويحذر هذه الأمة من سلوك مسلكهم: آتاهم التوراة والإنجيل والزبور (الكتاب)، والفهم والحكمة وفصل القضاء بين الناس (الحكم)، وجعل فيهم أنبياء ورسلاً متتابعين من نسل يعقوب وموسى وداود وسليمان وغيرهم (النبوة)، ورزقهم من طيبات الثمار والمآكل الحلال كالمن والسلوى بعد التيه (الطيبات)، وفضلهم على عالمي زمانهم بتلك الآيات والخصائص الكبرى التي لم يؤتها أمة في ذلك العصر.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على قراءة هذه الآية الكريمة، مع مراعاة مد البدل في {آتَيْنَا}، والمد المتصل والمنفصل في {بَنِي إِسْرَائِيلَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الْكِتَابَ}: اسم جنس للكتب السماوية المنزلة عليهم كالتوراة وما تبعها.
{الْحُكْمَ}: الحكمة وفصل القضاء والسياسة الشرعية القائمة على أمر الله.
{النُّبُوَّةَ}: النبوءة مأخوذة من النبأ وهو الخبر العظيم، أو من النبوة وهي الرفعة والمكانة العالية؛ وهي اصطفاء إلهي لإبلاغ رسالات الله.
{الْعَالَمِينَ}: جمع عالَم؛ وهو كل ما سوى الله تعالى؛ والمراد هنا عالمو زمانهم دون سائر الأمم على الإطلاق؛ لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير أمة أخرجت للناس بنص القرآن.
الإعراب الدقيق:
{وَلَقَدْ}: الواو استئنافية، اللام موطئة للقسم، قد حرف تحقيق.
{آتَيْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل.
{بَنِي}: مفعول به أول منصوب بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف.
{إِسْرَائِيلَ}: مضاف إليه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
{الْكِتَابَ}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ}: معطوفان على الكتاب منصوبان بالفتحة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ضرب المثل بالأمم السابقة للتثبيت والتحذير:
بعد أن استعرض براهين التوحيد والشريعة، ساق نموذج بني إسرائيل؛ ليكون عظة لأمة الإسلام؛ حيث نالوا أعظم المراتب الدينية (الكتاب والحكم والنبوة) والدنيوية (الطيبات والسيادة)، فإذا ضيعوا شكرها وسلكوا مسلك البغي سُلبوا هذا الاصطفاء وورثته الأمة الخاتمة.
الترتيب الرتبي للنعم:
بدأ بالنعم الروحية التشريعية: (الكتاب) مصدر الوحي، ثم (الحكم) تطبيقه وسياسته، ثم (النبوة) القيادة المعصومة، ثم أتبعها بالنعم المادية: (الطيبات)، وتوجها بـ (التفضيل والمكانة الدولية).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير معنى التفضيل على العالمين:
ادعى اليهود أنهم "شعب الله المختار" اختياراً عرقياً أبدياً لا يزول؛ والرد القرآني المحكم: التفضيل المذكور في {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} تفضيل مقيد بزمانهم حين كانوا متمسكين بالتوراة، ولما كفروا وبدلوا وقتلوا الأنبياء حلت عليهم اللعنة والذلة، وانتقل الفضل المطلق إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}؛ فالاصطفاء في ميزان الله منوط بالإيمان والعمل الصالح لا بالأنساب والأعراق.
التوكيد بالقسم و(قد): {وَلَقَدْ آتَيْنَا} لتذكيرهم بحقائق تاريخهم التي لا يستطيعون إنكارها.
إسناد الأفعال إلى ضمير العظمة الإلهية: {آتَيْنَا}، {رَزَقْنَاهُم}، {فَضَّلْنَاهُمْ} لبيان أن هذا المجد لم يكن بذكائهم ولا بقوتهم، بل بمحض منة الله وفضله، فكان كفرانهم أشنع وأقبح.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من داء الغرور بالأنساب والتاريخ: النعم الدينية تكليف ومسؤولية وليست امتيازاً استعلائياً على الخلق، فمن ضيع مقتضاها أذاقه الله الخزي.
شكر نعمة الهداية والقرآن: الاستشعار بأن هذه الأمة ورثت هذا الميراث النبوي الخاتم، وحقها أن تقود البشرية بالعدل والرحمة.