التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ١١٩)مصدر غير محدد٢٢/١١٩، وابن كثير (٧/ ٢٧٧)مصدر غير محدد٧/٢٧٧، والقرطبي (١٦/ ١٧٢)مصدر غير محدد١٦/١٧٢: لما فصّل الله سبحانه آيات ملكوته ونعمه في خلقه وتدبيره، وفصّل حكمه العدل بين أوليائه المؤمنين وأعدائه المكذبين، ختم السورة الكريمة بحمده والثناء على نفسه بما هو أهله جل جلاله؛ فقال: {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ}: الثناء المطلق بجميع صفات الكمال والجلال لله وحده لا شريك له، {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ}: خالقهما ومالكهما ومدبر أمرهما وسيدهما؛ {رَبِّ الْعَالَمِينَ}: رب جميع ما سوى الله من الإنس والجن والملائكة وسائر المخلوقات، يربيهم بنعمه ويدبرهم بحكمته.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على كسر الباء في {رَبِّ السَّمَاوَاتِ} و{وَرَبِّ الْأَرْضِ} و{رَبِّ الْعَالَمِينَ} نعتاً أو بدلاً من الاسم الجليل المجرور بلام الاختصاص {فَلِلَّهِ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الْحَمْدُ}: الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التعظيم والتبجيل مع المحبة؛ والألف واللام فيه لاستغراق جميع أنواع المحامد والثناءات.
{رَبِّ}: الرب في لسان العرب: المالك، والسيد المطاع، والمصلح، والمربي؛ ولا يُطلق الرب معرفاً بأل أو مجرداً إلا على الله تعالى.
{الْعَالَمِينَ}: جمع عالَم؛ وهو كل صنف من أصناف المخلوقات؛ مشتق من العَلَم والعلامة؛ لأن كل مخلوق علامة على وجود خالقه وكمال صفاته.
{رَبِّ}: نعت للاسم الجليل (أو بدل) مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو مضاف.
{السَّمَاوَاتِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{وَرَبِّ}: الواو عاطفة، ربِّ معطوف على رب الأولى مجرور بالكسرة، وهو مضاف.
{الْأَرْضِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{رَبِّ}: نعت ثانٍ أو بدل ثانٍ مجرور بالكسرة، وهو مضاف.
{الْعَالَمِينَ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة الختام وتتويج مقاصد السورة:
هذا الختم بحمد الله هو النتيجة العقلية والروحية الطبيعية لكل ما عُرض في السورة؛ فإذا كان الله هو منزل الكتاب، وخالق السماوات والأرض، ومسخر البحر وما في الوجود، ومجري الفلك، وفارج الكرب، والحاكم العدل الذي يجزي المحسن ويهين المستكبر؛ فمن المستحق للحمد والثناء والعبادة سواه؟!
التقسيم الثلاثي للربوبية:
١. {رَبِّ السَّمَاوَاتِ}: العالم العلوي بأفلاكه وملائكته.
٢. {وَرَبِّ الْأَرْضِ}: العالم السفلي بأوتاده وإنسه وجنه.
٣. {رَبِّ الْعَالَمِينَ}: الاستيعاب التام المحيط لكل ما كان ويكون.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الحمد الإلهي على العدل والفضل معاً:
يحمد الله تعالى على إدخال المؤمنين الجنة بفضله ورحمته، ويحمد كذلك على تعذيب الظالمين في النار بعدله وحكمته؛ فالله محمود في كل أفعاله وأقضيته: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ فالحمد الإلهي كمال مطلق لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه.
القصر بتقديم الخبر {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ}: قصر إفراد وحصر؛ أي لله وحده الحمد التام لا لأحد سواه؛ لأن كل نعمة تصل إلى المخلوق فمن الله منشؤها ومبتداها.
تكرار وصف {رَبِّ}: ثلاث مرات في آية واحدة؛ لتقرير وتأكيد الإحاطة الربانية والتربية العامة لكل ذرة في الوجود، واستحضار عظمة المربي المنعم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ملازمة الحمد والثناء على الله: أن يلهج لسان المسلم بحمد الله في السراء والضراء؛ فإن الحمد رأس الشكر ومفتاح المزيد: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}.
استشعار عالمية الرسالة والربوبية: التحرر من النظرة المحلية أو العرقية الضيقة؛ فإلهنا رب العالمين أجمعين، ورحمته وشريعته موجهة لسائر الخلق.