التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ١١٧)مصدر غير محدد٢٢/١١٧ وابن كثير (٧/ ٢٧٧)مصدر غير محدد٧/٢٧٧ والقرطبي (١٦/ ١٧١)مصدر غير محدد١٦/١٧١: {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا}: ظهر للمجرمين المكذبين يوم القيامة قبح أعمالهم وفضائح ذنوبهم التي اقترفوها في الدنيا مسطورة في صحائفهم، وعاينوا سوء عاقبتها ووبالها بعد أن كانوا يحسبون أنهم على شيء؛ {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}: ونزل بهم وأحاط بهم من كل جانب ذلك العذاب الأليم الذي كانوا يسخرون منه في الدنيا ويستعجلون وقوعه تكذيباً بالرسل.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على قراءة هذه الآية الكريمة، مع مراعاة تخفيف أو تسهيل الهمز في {يَسْتَهْزِئُونَ} عند ورش وحمزة وقفاً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{بَدَا}: الظهور والانكشاف والوضوح بعد الخفاء؛ بدا الشيء يبدو بدواً وبداءً.
{حَاقَ}: الإحاطة والنزول واللزوم التام؛ حاق به الشيء يحيق حيقاً إذا أحاط به من كل جهة حتى لا يجد منه مهرباً.
{يَسْتَهْزِئُونَ}: الاستهزاء: السخرية والاستخفاف والضحك من الشيء استصغاراً له.
الإعراب الدقيق:
{وَبَدَا}: الواو عاطفة، بدا فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر.
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلقان بـ (بدا).
{سَيِّئَاتُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل جر مضاف إليه.
{عَمِلُوا}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{وَحَاقَ}: الواو عاطفة، حاق فعل ماض مبني على الفتح.
{بِهِم}: متعلقان بحاق.
{مَّا}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل لـ (حاق)؛ والمراد به العذاب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الصدمة النفسية والحصار الوجودي:
بعد أن واجههم بما قالوا في الدنيا من التشكيك في الساعة، نقل النظم القرآني المشهد إلى لحظة المعاينة المباشرة:
١. الصدمة النفسية الباطنية: بانكشاف قبح أعمالهم وظهورها عياناً: {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا}.
٢. العقاب الحسي الحاصر: بإحاطة العذاب بهم من كل جهة: {وَحَاقَ بِهِم}.
انقلاب السخرية إلى نكال:
العذاب الذي كان موضع ضحكهم وسخريتهم صار هو ذاته القيد الذي يخنقهم ويحيط بهم؛ لتتحقق العدالة الجزائية التامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تجسيم الأعمال وانكشاف الحقائق في الآخرة:
في الدنيا يستر الله كثيراً من ذنوب العباد، وقد يتزين الفاجر بزي الصلاح، ولكن يوم القيامة هو (يوم تبلى السرائر)، فتبدو السيئات في أقبح صورها عياناً لكل الخلائق؛ ليعلم أن الجزاء ليس شيئاً أجنبياً عن عمل الإنسان، بل هو عين عمله السيئ متجسداً عذاباً وحسرة: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}.
الإسناد المجازي في {بَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا}: أسند البدوّ والظهور للسيئات مبالغة في تجسيمها وانفضاح أمرها.
التعبير بـ {حَاقَ}: يوحي بالإحاطة الدائرية التامة التي لا فجوة فيها؛ فلا يستطيع المعذب التملص ولا الفرار.
البلاغة في وضع {مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} موضع العذاب: للتذكير بالجناية في مقام العقاب، ليتجرع المعذب غصة السخرية القديمة مع ألم العذاب الحاضر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الوجل من فضائح يوم الحشر: الاستعاذة بالله من يوم تُبدى فيه الفضائح وتنكشف فيه السيئات، وستر النفس بالتوبة الصادقة في دار المهلة.
الحذر التام من الاستهزاء بشيء من الدين: السخرية من آيات الله أو أحكام الشرع مهلكة كبرى توجب إحاطة العذاب بالإنسان؛ فالأمر دين وجنة ونار لا مجال فيه للهزل.