التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ١١١-١١٢)مصدر غير محدد٢٢/١١١ وابن كثير (٧/ ٢٧٤)مصدر غير محدد٧/٢٧٤ والقرطبي (١٦/ ١٦٧)مصدر غير محدد١٦/١٦٧: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: لله وحده السلطان المطلق والخلق والأمر في السماوات والأرض والدنيا والآخرة، لا منازع له في ملكه؛ {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ}: ويوم تقوم القيامة ويبعث الناس من قبورهم للحساب؛ {يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ}: في ذلك اليوم العصيب يظهر خسران الكفرة المشركين والملاحدة الذين اتبعوا الباطل واستهزأوا بآيات الله وأنكروا البعث؛ حيث خسروا أنفسهم وأهليهم وخسروا جنات النعيم وصاروا إلى عذاب الجحيم.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على قراءة هذه الآية الكريمة، مع مراعاة تنوين الكسر في {يَوْمَئِذٍ} عوضاً عن الجملة المحذوفة (يوم إذ تقوم الساعة).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{مُلْكُ}: المُلْك: السلطان والاستيلاء والتصرف المطلق؛ وهو أخص من المِلْك؛ فالله مالك الملك ومدبر الكون.
{تَقُومُ}: القيام: النهوض والابتداء؛ وسميت القيامة لقيام الناس من قبورهم لرب العالمين ولقيام العدل والحساب.
{الْمُبْطِلُونَ}: جمع مُبْطِل، اسم فاعل من أَبْطَلَ؛ وهو من كان مذهبه الباطل، أو من عمل على إبطال الحق وإحقاق الباطل، وضد المحق.
{مُلْكُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{السَّمَاوَاتِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{وَالْأَرْضِ}: معطوف مجرور بالكسرة.
{وَيَوْمَ}: الواو عاطفة، يومَ ظرف زمان منصوب متعلق بـ (يخسر).
{تَقُومُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
{السَّاعَةُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، وجملة تقوم الساعة في محل جر بالإضافة لـ (يوم).
{يَوْمَئِذٍ}: يومَ ظرف زمان بدل من يوم الأول منصوب، وهو مضاف، وإذ اسم مبني على السكون وحرك بالكسر للتنوين في محل جر مضاف إليه، والتنوين عوض عن جملة محذوفة.
{يَخْسَرُ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{الْمُبْطِلُونَ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التمهيد لمشهد القيامة الأعظم:
بعد أن قرر أن الله يجمع الناس ليوم القيامة، أعلن هنا أن المالك الوحيد لكل ما في الوجود هو الله؛ فكل ملك ادعاه الملوك والجبابرة في الدنيا يتلاشى وينعدم، ويبقى الملك لله الواحد القهار، ويومها تنكشف حقيقة الخسران للمبطلين الذين عمروا دنياهم بالباطل وخربوا آخرتهم.
إبدال الظرف وتكراره:
قوله {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ}: تكرار اسم الزمان للتهويل وتفخيم شأن ذلك اليوم العظيم ولفت الأنظار إلى فظاعة ما يحدث فيه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بيان المعنى الحقيقي للخسران:
الخسران الدنيوي نقص في مال أو زوال تجارة، أما الخسران الأخروي فهو خسران الذات والخلود والجنة إلى الأبد: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}؛ فالمبطل دفع عمره ثمناً للباطل فكانت نتيجته صفراً وناراً تلظى.
تقديم الجار والمجرور {وَلِلَّهِ مُلْكُ}: يفيد القصر والحصر؛ أي لله لا لغيره الملك الحقيقي التام، فكل من يدعي سلطاناً مستقلاً عن أمر الله فهو كاذب مبطل.
تسميتهم بـ {الْمُبْطِلُونَ}: وصف بليغ يدمغهم بأن كل آرائهم وشبهاتهم ودهريتهم إنما هي باطل في باطل، تلاشت كالهباء أمام نور الحق يوم القيامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التجرد للحق ونبذ الباطل: الحرص على أن يبني المسلم عقيدته وأخلاقه على الحق المنبثق من الوحي، والابتعاد عن كل مذهب أو فكر باطل يورث الخسران غداً.
اليقين بزوال عظمة أهل الباطل: مهما انتفش الباطل وامتلك من أدوات الإعلام والقوة المادية في الدنيا، فإن مصيره المحتوم هو الخسران والبوار يوم تقوم الساعة.