التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ١١٥)مصدر غير محدد٢٢/١١٥ وابن كثير (٧/ ٢٧٦)مصدر غير محدد٧/٢٧٦ والقرطبي (١٦/ ١٧٠)مصدر غير محدد١٦/١٧٠: يبيّن تعالى تفصيل حكمه العادل بين الفريقين يوم القيامة؛ {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: أما الذين صدقوا بقلوبهم وأخلصوا توحيدهم وعملوا بطاعة ربهم واتبعوا شريعته؛ {فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ}: والرحمة هنا هي الجنة؛ كما ثبت في الحديث الصحيح أن الله تعالى قال للجنة: "أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي"؛ فيدخلهم دار كرامته وفضله؛ {ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ}: ذلك الجزاء هو الظفر الأكبر والنجاح الظاهر الجلي الذي لا فوز يضاهيه.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على قراءة هذه الآية الكريمة، مع مراعاة تفخيم الراء في {رَبُّهُمْ} وترقيقها في {فِي رَحْمَتِهِ} وصلاً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{رَحْمَتِهِ}: إطلاق الرحمة وإرادة الجنة من باب إطلاق السبب على المسبب أو الصفة على موطنها؛ لأن الجنة مظهر الرحمة الإلهية الكبرى.
{الْفَوْزُ}: النجاة من المكروه والظفر بالمحبوب.
{الْمُبِينُ}: اسم فاعل من أبان؛ وهو الظاهر البين الذي لا خفاء فيه ولا التباس.
الإعراب الدقيق:
{فَأَمَّا}: الفاء استئنافية تفصيلية، أمّا حرف تفصيل وشرط وتوكيد مبني على السكون.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
{آمَنُوا}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{وَعَمِلُوا}: معطوف على آمنوا، والواو فاعل.
{الصَّالِحَاتِ}: مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{فَيُدْخِلُهُمْ}: الفاء واقعة في جواب أمّا، يدخل فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول، والميم للجمع.
{رَبُّهُمْ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو مضاف، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
{فِي رَحْمَتِهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يدخلهم) في موضع المفعول الثاني، ورحمة مضاف والهاء مضاف إليه، وجملة فيدخلهم في محل رفع خبر المبتدأ (الذين).
{ذَٰلِكَ}: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
{هُوَ}: ضمير فصل مبني على الفتح لا محل له من الإعراب يفيد التوكيد والحصر (أو مبتدأ ثانٍ).
{الْفَوْزُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الْمُبِينُ}: نعت لـ (الفوز) مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قانون التقسيم والمقابلة الأخروية:
بعد عرض الكتاب الشاهد، انقسم الناس إلى فريقين بأداة التفصيل {فَأَمَّا... وَأَمَّا}؛ وبدأ بفريق السعادة تكريماً لهم وتشويقاً للنفوس إلى منازلهم العلية.
إسناد الإدخال إلى الرب المنعم:
قوله {فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ}: إشعار بأن دخول الجنة ليس مجرد جزاء معاوضة، بل هو كرم ورعاية وتربية من الرب الرحيم بعباده المؤمنين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الربط بين الإيمان والعمل الصالح:
دأب القرآن الكريم على الجمع الدائم بين {آمَنُوا} و{عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}؛ ليدحض شبهة المرجئة الذين يزعمون أن الإيمان مجرد تصديق ذهني لا يحتاج إلى عمل؛ فالعمل الصالح شرط كمال وبرهان صدق على حقيقة الإيمان في القلب، وبهما معاً ينال العبد رحمة ربه وفوزه المبين.
التعبير بـ {فِي رَحْمَتِهِ}: استعارة مكانية؛ صور الرحمة الإلهية كأنها بحر محيط أو دار فسيحة يدخلها المؤمنون فينغمسون في نعيمها من كل جانب.
أساليب القصر والتوكيد: التوكيد باسم الإشارة للبعيد {ذَٰلِكَ}، وضمير الفصل {هُوَ}، وتعريف الطرفين {الْفَوْزُ الْمُبِينُ}؛ لإفادة أن الفوز الحقيقي مقصور على دخول الجنة، وكل فوز دنيوي دونه باطل ومؤقت.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
العمل لدار القرار: أن يوجه المسلم طاقاته لتحصيل هذا الفوز المبين، وألا تشغله مكاسب الدنيا الزائلة عن التجارة الرابحة مع الله.
استشعار فضل الله: التيقن بأن دخول الجنة برحمة الله وفضله؛ فالمؤمن يسدد ويقارب ويرجو رحمة ربه التي وسعت كل شيء.