التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري في جامع البيان (٢٢/ ١١٢-١١٣)مصدر غير محدد٢٢/١١٢، وابن كثير (٧/ ٢٧٥)مصدر غير محدد٧/٢٧٥، والقرطبي (١٦/ ١٦٧-١٦٩)مصدر غير محدد١٦/١٦٧: {وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً}: هذا المشهد الكوني المهيب الذي سُميت به السورة المباركة؛ الجاثية: الجاثية على الركب؛ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن: تجثو الخلائق والأمم كلها على ركبها لهول المطلع وعظمة الحساب وهيبة الجبار جل جلاله، لا يقدر أحد أن يقف على قدميه من شدة الفزع والذعر؛ وقيل جثواً حول جهنم كما قال: {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا}؛ {كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا}: يُنادى على كل أمة لتُعرض على كتاب أعمالها الذي سجلته الملائكة الحفظة، أو إلى كتاب شريعتها ونبيها؛ ويقال لهم تبكيتاً وتقريراً: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}: اليوم توفون جزاء أعمالكم بالعدل التام دون زيادة أو نقصان.
وقرأ يعقوب الحضرمي في رواية رويس عنه: {كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ} بنصب اللام في (كلّ) بدلاً من (كلّ) الأولى المنصوبة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{جَاثِيَةً}: اسم فاعل مؤنث من جَثَا يَجْثُو جُثُوّاً؛ وهو الجلوس على الركبتين وأطراف الأصابع مع انتصاب الساقين؛ وهي هيئة الذليل الخائف المستسلم المنتظر لحكم القاضي.
{أُمَّةٍ}: الأمة: الجماعة الكبيرة من الناس يجمعهم أمر واحد كدين أو عصر أو جنس أو نبي.
{كِتَابِهَا}: صحيفة أعمالها التي أحصت كل صغيرة وكبيرة، أو كتاب الشريعة الذي أُنزل على نبيها.
الإعراب الدقيق:
{وَتَرَىٰ}: الواو عاطفة أو استئنافية، ترى فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة للتعذر، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت (أي أيها الرائي).
{كُلَّ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو مضاف.
{أُمَّةٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{جَاثِيَةً}: حال منصوبة وعلامة نصبها الفتحة الظاهرة من (كل أمة)؛ والرؤية بصرية (أو مفعول ثانٍ إن كانت علمية).
{كُلُّ}: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة في قراءة الجمهور، وهو مضاف (أو بدل منصوب {كُلَّ} في قراءة رويس).
{أُمَّةٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{تُدْعَىٰ}: مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة المقدرة، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي، وجملة تدعى في محل رفع خبر المبتدأ (كل أمة).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اللوحة القرآنية الخالدة ليوم الحساب:
هذا المشهد يمثل الذروة التعبيرية العظمى في السورة؛ بعد دحض الدهرية ونفي المساواة، تُرسم اللوحة الحسية المرعبة: البشرية جمعاء، بملوكها وجبابرتها وعلمائها ومترفيها، جاثية على الركب في ذل وانكسار وصمت مطبق، لا صوت يعلو، والكل ينتظر قضاء الملك الديان!
التكرار الإيقاعي لـ {كُلَّ أُمَّةٍ... كُلُّ أُمَّةٍ}:
تكرار اللفظ مرتين للتأكيد على عموم واستيعاب هذا المشهد لكل التجمعات البشرية دون استثناء أمة واحدة، ثم بيان النظام الدقيق في الاستدعاء: استدعاء أمة أمة إلى سجلها وكتابها المحفوظ.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحطيم الكبرياء البشري الزائف:
أولئك الطغاة والدهريون الذين كانوا يستكبرون في الدنيا ويقولون {مَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}، يراهم الرائي في هذا المشهد جاثين على الركب في منتهى الصغار والذلة؛ لتظهر الحقيقة العقلية الأبدية: كبرياء الإنسان في الدنيا كان وهماً وسراباً، والعظمة الحقيقية إنما هي لله وحده القاهر فوق عباده.
المشهدية الحركية البديعة في لفظ {جَاثِيَةً}: لفظ مفرد يرسم هيئة جسدية ونفسية دقيقة تعجز عنها آلاف الكلمات؛ فالجثو يجسد الانهيار النفسي التام والترقب المرتعد لمصير مجهول.
حذف القائل في {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ}: تهويلاً للموقف؛ فالنداء صادر من ملائكة الحساب بأمر رب الأرباب، مما يوقع في القلوب أقصى درجات الرهبة.
التدبر الإيماني: بكاء الصالحين وعظم وجلهم من هذا اليوم؛ فالكل جاثٍ ينتظر مصيره: إما إلى الجنة وإما إلى السعير.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كسر الكبر والتواضع لله في الدنيا: من جثا لله في دنياه ساجداً مخبتاً خاشعاً، ثبته الله يوم تجثو الأمم على الركب هيبة وخوفاً.
مراجعة صحيفة الأعمال قبل العرض الأكبر: تذكر أن كل أمة وكل فرد سيُدعى إلى كتابه؛ فليتفقد المسلم ما يودعه اليوم في صحيفته من أقوال وأفعال، فإنما هي أعمالنا تُحصى علينا ثم نوفاها يوم الحساب.