التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ٨٥)مصدر غير محدد٢٢/٨٥ وابن كثير (٧/ ٢٦٦)مصدر غير محدد٧/٢٦٦ والقرطبي (١٦/ ١٥١)مصدر غير محدد١٦/١٥١: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}: أي هذا الكتاب المبين تنزيل مبارك نزل به الروح الأمين من عند الله تعالى ذي العزة التي لا ترام، والحكمة المطلقة في أفعاله وأقواله وخلقه وتشريعه؛ فليس من وضع بشر ولا افتراء مفترٍ كما يزعم الجاحدون.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على رفع {تَنزِيلُ} بالضمة الظاهرة، وجر {الْكِتَابِ} بالإضافة، وجر صفتي الجلالة {الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} نعتاً للاسم الجليل المجرور بـ {مِنْ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{تَنزِيلُ}: مصدر نَزَّلَ يُنَزِّلُ تَنزيلاً؛ والتضعيف فيه يدل على التدريج والتتابع والتنجيم لآيات القرآن بحسب الوقائع والأحوال، وأُطلق المصدر وأُريد به اسم المفعول؛ أي المُنَزَّل.
{الْكِتَابِ}: اسم مفعول بمعنى المكتوب؛ وأصله من الكَتْب وهو الجمع والضم بين الحروف والكلمات لتقييد المعاني.
{الْعَزِيزِ}: القاهر الغالب الذي لا يُغلب، ذو العزة والجبروت والمنعة.
{الْحَكِيمِ}: ذو الحكمة التامة، الذي يضع كل شيء في موضعه اللائق به شرعاً وقدراً وتدبيراً.
الإعراب الدقيق:
{تَنزِيلُ}: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف (أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا تنزيلُ الكتاب، أو خبر للمبتدأ حم).
{الْكِتَابِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره.
{الْعَزِيزِ}: نعت أول للاسم الجليل مجرور بالكسرة الظاهرة.
{الْحَكِيمِ}: نعت ثانٍ مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة الوصل والاقتران:
بعد الفاتحة المقطعة {حم}، أُسند التنزيل فوراً إلى الذات الإلهية موصوفة بـ {الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}، وهو نفس المطلع البديع في سورة الزمر وسورة غافر وسورة الجاثية وسورة الأحقاف؛ ليقرر أن القرآن صادر عن غلبة وقهر لا يطاق (العزيز) وعن حكمة بالغة وإتقان محكم (الحكيم).
التمهيد للآيات الكونية والتشريعية:
العزة تضمن حفظ القرآن وإقامة الحجة به وخذلان من عارضه، والحكمة تضمن خلوه من التعارض وملاءمة تشريعاته لصلاح البشر في كل عصر ومصر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض دعوى التأليف البشري:
ينص النظم القرآني نصاً صريحاً على مصدرية الوحي: {مِنَ اللَّهِ}؛ فالرد العقلي: لو كان القرآن من تأليف النبي صلى الله عليه وسلم لما نسبه لغيره، ولظهر فيه النقص البشري والاضطراب، ولكن صدوره من العزيز الحكيم جعله كتاباً منزهاً عن التناقض: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}.
التعبير بالمصدر {تَنزِيلُ}: يفيد التقرير والتأكيد على حقيقة الإنزال الرباني من علو، وإبراز أن الوحي هبة سماوية علوية تتجاوز مدارك الأرض.
الجمع بين صفتي {الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}: الجمع بين القوة (العزة) والحكمة، فالقوة دون حكمة بطش وطغيان، والحكمة دون عزة عجز وضعف؛ فإذا اجتمعت العزة مع الحكمة بلغ الكمال الإلهي مداه الأسمى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتزاز بكتاب الله: الشعور بالعزة والكرامة بالانتساب إلى هذا الكتاب؛ فمن تمسك بالقرآن أعزه الله، ومن ابتغى العزة في غيره أذله الله.
الاحتكام لشريعة الحكيم: اليقين بأن أحكام القرآن وأوامره ونواهيه صادرة عن حكمة أزلية محيطة، توجب الانقياد والتسليم دون أدنى حرج.