أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١٠)جامع البيانالطبري٢١/١٠ بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما في الحروف المقطعة: أنها قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله تعالى، وقيل: اسم للسورة، وقيل: سر من أسرار الله في كتابه استأثر الله بعلمه.
وجاء عن مجاهد وقتادة ومجاهد بن جبر: {حم} فواتح افتتح الله بها القرآن، وفي رواية السدي: أنها اسم الله الأعظم مفرداً ومجموعاً مع سائر فواتح السور.
وقال القرطبي في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن، مجلد ١٦، صفحة ١٧٨)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٦/١٧٨: الحواميم كأنها روضات الجنان، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات فأتأنق فيهن"، والابتداء بها إيذان بعلو شأن التنزيل وقرع لأسماع العرب المعاندين لإيقاظ مداركهم إلى عجزهم عن معارضة هذا النظم المعجز المركب من جنس حروف كلامهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي: {حم}: حرفان هجائيان يقرآن بلفظ اسميهما بسكون آخرهما على الوقف: "حا - مِيمْ"، مع إشباع الياء في "ميم" ست حركات مداً لازماً حرفياً مخففاً، ولا مد في "حا" إلا المد الطبيعي بمقدار حركتين.
التوجيه الإعرابي:
الوجه الأول (الأرجح والمختار): خبر لمبتدأ محذوف تقديره: "هذه حم"، أو مبتدأ وخبره الجملة التالية {تَنزِيلُ الْكِتَابِ}، أو مسند إليه قُصد لفظه.
الوجه الثاني: اسم سورة منصوب بفعل مضمر تقديره "اقرأ حم" أو "اتل حم".
الوجه الثالث: لا محل لها من الإعراب مبنية على السكون كسائر الحروف المقطعة المسرودة على سبيل التحدي والإعجاز الصوتي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية من سياق السورة: تفتتح السورة بـ {حم} كمسك ختام لمنظومة الحواميم السبع (غافر، فصلت، الشورى، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف).
التناسب مع السورة السابقة: اتصلت بخاتمة سورة الجاثية اتصالا بديعاً؛ إذ ختمت الجاثية بتقرير العزة والحكمة: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، وجاءت فاتحة الأحقاف لتعلن أن هذا الكتاب الذي يبدأ بهذه الحروف المعجزة منزل من ذلك الإله العزيز الحكيم سبحانه، فيلتئم البدء بالختام التئام العقد النفيس.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة دعوى العبث في الحروف المقطعة: زعم بعض الطاعنين أن إيراد حروف مقطعة لا تدل بذاتها على معنى لغوي وضعي مستقل ينافي بيان القرآن وبلاغته.
دحض الشبهة ومحاكمتها عقلياً:
دلالة التحدي والإلزام: هذه الحروف هي عين المواد الصوتية التي يصوغ منها العرب أشعارهم وخطبهم، ونزول القرآن مؤلفاً منها مع عجز فصحاء العرب قاطبة عن الإتيان بسورة من مثله هو أقطع برهان عقلي على أنه تنزيل من حكيم عليم لا من صنع البشر.
التنبيه الصوتي: إلقاء هذه الحروف الساكنة يوجب إقبال الأسماع والقلوب على ما يتلوها من حقائق التنزيل، واللغة العربية تستعمل أصوات التنبيه لتحريك النفوس ولفت الأذهان، فكانت في غاية الحكمة والبيان.
البراعة الاستهلالية: افتتاح السورة بالرمز الصوتي المتقن الذي يجمع بين صفير الميم ورخاوتها ورقة الحاء وهمسها، فيولد انطباعاً بالجلال والرهبة.
الإيجاز بالحذف: حذف المبتدأ أو الفعل الناصب يضفي فخامة على المسند، ويوجه العقل مباشرة إلى جوهر الحقيقة دون فضول كلام.
اللمحة الإشارية التدبرية: الحروف صامتة لا حياة فيها بذاتها، لكنها إذا نُظمت بوحي الله أحيت القلوب وبثت النور في ظلمات الوجود، فكذلك روح العبد ميتة ما لم يحيها وحي الله وكتابه العزيز.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ينبغي للداعية أن يستهل دعوته بما يجذب انتباه المخاطبين ويستحث مداركهم، ويحسن اختيار المفاتيح الكلامية التي توقظ الغافل.
الأثر التربوي والإيماني: غرس الإجلال لكلام الله تعالى وتدبر فواتحه؛ إذ تدل الحروف المقطعة على أن في القرآن أسراراً وعلوّاً يستوجب الاستكانة والافتقار إلى فيض العلم الإلهي، والشعور بعظمة من تكلم بهذا الوحي.