التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ٩١-٩٢)مصدر غير محدد٢٢/٩١ وابن كثير (٧/ ٢٦٨)مصدر غير محدد٧/٢٦٨ والقرطبي (١٦/ ١٥٣)مصدر غير محدد١٦/١٥٣: {مِّن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ}: الوراء هنا بمعنى الأمام والمستقبل؛ أي أمام هؤلاء المستكبرين المستهزئين جهنم ترصدهم وتنتظرهم، فإذا وردوها لم يدفع عنهم ما جمعوا في الدنيا من الأموال والأولاد والسلطان شيئاً من عذاب الله، ولا تغني عنهم آلهتهم وأولياؤهم الذين عبدوهم من دون الله ولا يشفعون لهم فتيلاً، ولهم في نار جهنم عذاب عظيم هائل لا يحيط بوصفه بشر.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على قراءة الآية الكريمة، مع مراعاة إثبات الياء وصلاً ووقفاً في {وَلَا يُغْنِي}، والمد المتصل في {أَوْلِيَاءَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{وَرَائِهِمْ}: الوَرَاء: لفظ من الأضداد في لسان العرب؛ يطلق على ما خلفك وما أمامك؛ والمراد هنا: ما يستقبلهم وينتظرهم في مآلهم، كقوله تعالى: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا}؛ أي أمامهم.
{يُغْنِي}: الإغناء: الدفع والنفع والكفاية؛ أَغْنَى عنه الشيء إذا كفاه ودفع عنه المكروه.
{أَوْلِيَاءَ}: جمع وَلِيّ؛ وهو النصير والحليف والمعبود الذي يوالى ويُرجى نفعه ونصره.
{عَظِيمٌ}: البالغ أقصى مراتب الكبر والشدة والفظاعة.
الإعراب الدقيق:
{مِّن وَرَائِهِمْ}: من حرف جر، وراءِ اسم مجرور بمن وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو مضاف، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه، والميم للجمع؛ وشبه الجملة متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{جَهَنَّمُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة منع من الصرف للعلمية والتأنيث.
{وَلَا}: الواو عاطفة، لا نافية مبنية على السكون.
{يُغْنِي}: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الياء للثقل.
{عَنْهُم}: متعلقان بيغني.
{مَّا}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل لـ (يغني)، أو مصدرية.
{كَسَبُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والجملة صلة ما لا محل لها من الإعراب.
{شَيْئًا}: مفعول مطلق نائب عن المصدر منصوب (أي إغناءً شيئاً)، أو مفعول به ثانٍ لـ يغني.
{وَلَا}: الواو عاطفة لتأكيد النفي، لا نافية.
{مَا}: اسم موصول معطوف على (ما كسبوا) في محل رفع.
{اتَّخَذُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والجملة صلة.
{أَوْلِيَاءَ}: مفعول به ثانٍ لـ (اتخذوا) منصوب بالفتحة الظاهرة (منع من الصرف لألف التأنيث الممدودة)، والمفعول الأول محذوف تقديره: اتخذوه أولياء.
{وَلَهُمْ}: الواو استئنافية أو عاطفة، لهم متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
{عَذَابٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
{عَظِيمٌ}: نعت لـ (عذاب) مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تجريد الطاغية من كل سبل النجاة:
بعد أن وصف كبره واستهزاءه، حاصره النظم القرآني بمصيره الحتمي: جهنم تترصده من أمامه، وأمواله وجاهه التي استكبر بها لا تغني عنه فتيلاً، وآلهته وأحلافه وسادته الذين والى من دون الله يتخلون عنه؛ فلا فداء ينفعه، ولا نصير يمنعه، ولا ملجأ يأويه!
تكامل أوصاف العذاب:
وصف العذاب في الآيات المتتابعة بثلاثة أوصاف متكاملة: {أَلِيمٌ} لألمه الحسي، و{مُّهِينٌ} لإذلاله النفسي، و{عَظِيمٌ} لهوله الأبدي واستمراره في نار تلظى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سقوط الفلسفة المادية والمنافع الأرضية:
تبرز الآية حقيقة عقلية حاسمة: كل قوة أرضية تنقطع بمجرد الموت؛ فالمال والسلطة والأحلاف إنما هي أدوات صالحة في حدود الدنيا الضيقة، أما في الآخرة فالملك التام لله وحده: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}، ومن ثم فإن الركون إلى غير الله حمق معرفي وانهيار وجودي كامل.