التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري في جامع البيان (٢٢/ ١٠٣-١٠٤)مصدر غير محدد٢٢/١٠٣، وابن كثير في تفسيره (٧/ ٢٧٢)مصدر غير محدد٧/٢٧٢، والقرطبي (١٦/ ١٥٩)مصدر غير محدد١٦/١٥٩: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ}: أم هنا منقطعة تفيد الإضراب والاستفهام الإنكاري؛ أي بل أظن أولئك الكفرة المشركون الذين اكتسبوا المعاصي والآثام واقترفوا الكفر والذنوب، أن نسوي بينهم وبين المؤمنين الموحدين الذين عملوا الصالحات في الدنيا والآخرة؟! كلا، لا يستوون أبداً؛ {سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ}: لا يستوون في محياهم بطمأنينة القلب والتوفيق، ولا في مماتهم بحسن الخاتمة وبشارة الملائكة، ولا في معادهم بالنعيم المقيم؛ {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}: بئس ما قضوا به وحكموا به من هذه التسوية الظالمة المنافية لحكمة الله وعدله.
أثر بكاء السلف عند هذه الآية:
أخرج ابن أبي حاتم والطبري عن مسروق قال: قال لي رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم الداري؛ لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح يقرأ هذه الآية ويركع ويسجد ويبكي: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}.
وروي مثل ذلك عن الفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم؛ حيث كانت هذه الآية تسمى "مبكاة العابدين ومقمعة المغترين".
توجيه القراءات المتواترة:
قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: {سَوَاءً} بنصب الهمزة منونة؛ على أنه حال من المفعولين أو مفعول به ثانٍ لـ {نجعلهم}.
وقرأ الباقون من القراء العشرة (نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وشعبة عن عاصم، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف العاشر): {سَوَاءٌ} برفع الهمزة منونة؛ على أنه خبر مقدم لـ {مَّحْيَاهُمْ}، والجملة الاسمية بدل أو حال؛ أي: محياهم ومماتهم سواءٌ.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{اجْتَرَحُوا}: الاجتراح: الاكتساب والاقتراف؛ واجترح الإثم إذا عمله بجوارحه؛ وأصل الجَرْح في اللغة القطع وإحداث الأثر، ثم استعير للعمل باليد والجوارح.
{السَّيِّئَاتِ}: جمع سَيِّئَة؛ وهي الخصلة القبيحة والعمل المحرم الذي يسوء صاحبه عاقبته.
{سَوَاءً}: السَّوَاء: العدل والمماثلة والمساواة بين الشيئين في الحكم والقدر.
{سَاءَ}: فعل جامد لإنشاء الذم، بمعنى بئس، يدل على القبح والشناعة.
الإعراب الدقيق:
{أَمْ}: حرف إضراب وعطف منقطع بمعنى (بل) والهمزة الإنكارية.
{حَسِبَ}: فعل ماض مبني على الفتح.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل لـ (حسب).
{اجْتَرَحُوا}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{السَّيِّئَاتِ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{أَن}: حرف مصدري ونصب.
{نَّجْعَلَهُمْ}: مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه الفتحة، والفاعل مستتر تقديره نحن، والهاء مفعول به أول والميم للجمع، والمصدر المؤول سد مسد مفعولي (حسب).
{كَالَّذِينَ}: الكاف اسم بمعنى مثل مفعول ثانٍ لـ (نجعلهم) أو جار ومجرور في محل نصب مفعول ثانٍ.
{آمَنُوا}: ماض وفاعل، صلة الموصول.
{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: معطوف ومفعول به منصوب بالكسرة.
{سَوَاءً}: حال منصوبة (أو مفعول ثانٍ) في قراءة النصب، أو خبر مقدم مرفوع بالضمة {سَوَاءٌ} في قراءة الرفع.
{مَّحْيَاهُمْ}: بدل من الضمير في سواء أو مبتدأ مؤخر، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
{وَمَمَاتُهُمْ}: معطوف على محياهم مرفوع.
{سَاءَ}: فعل ماض لإنشاء الذم مبني على الفتح.
{مَا}: اسم موصول في محل رفع فاعل لـ (ساء) (أو نكرة تامة تمييز)، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: ساء حكمهم حكمهم هذا.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة النظمية الفاصلة بين المعسكرين:
بعد أن بيّن أن {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} وأن القرآن بصائر وهدى، واجه هنا زعم المشركين والمترفين الذين يظنون أنهم سينعمون في الآخرة كما تنعموا في الدنيا، أو أن الموت سيسوي بين المصلح والمفسد؛ فأبطل هذا الوهم بحكم عقلي وتشريعي صارم.
النفي المزدوج (في المحيا والممات):
نفي المساواة في المحيا: لأن حياة المؤمن نور وسكينة وسلام روحي، وحياة الكافر قلق وضنك وضياع: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حتمية البعث ضرورة عقلية وأخلاقية:
تبرهن الآية برهاناً عقلياً قاطعاً على حتمية اليوم الآخر؛ فلو مات المؤمن المظلوم المضطهد، ومات الكافر الطاغية المترف، ثم انتهى كل شيء وصارا تراباً بلا حساب ولا جزاء، لكانت هذه النتيجة منافية للعدل والحكمة، ولكان الظالم أربح صفقة من العادل! فاستلزم العقل السليم وجود دار أخرى تُقام فيها الموازين القسط ويُميز فيها بين البر والفاجر.
الاستفهام الإنكاري بـ {أَمْ حَسِبَ}: لتسفيه أحلامهم وإشعارهم بأن هذا الظن ضرب من الحماقة التي لا يقرها عقل.
التعبير بـ {اجْتَرَحُوا}: استعارة الجرح لاكتساب الذنب، للدلالة على أن المعاصي جراحات غائرة في كيان الروح تمزق طهارتها وتورثها الندم.
التقبيح الشديد بـ {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}: جملة ذم إنشائية تقطع ببطلان حكمهم وسقوطه في ميزان العقل والشريعة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريد النفس من الغرور والأماني الكاذبة: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، بل ما وقر في القلب وصدقه العمل؛ فلا يغترن مقصر برحمة الله وهو مصر على المعاصي تارك للفرائض.
اليقين بعاقبة الصالحين: تثبيت قلوب المستضعفين والصابرين بأن جهادهم وصبرهم وبذلهم في ذات الله لن يضيع، وأن فوارق الجزاء آتية لا محالة في الدنيا والآخرة.