التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ١١٦)مصدر غير محدد٢٢/١١٦ وابن كثير (٧/ ٢٧٦)مصدر غير محدد٧/٢٧٦ والقرطبي (١٦/ ١٧٠)مصدر غير محدد١٦/١٧٠: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا}: وأما الذين جحدوا بآيات الله وكذبوا رسله، فيقال لهم تقريعاً وتوبيخاً وتبكيتاً على رؤوس الأشهاد: {أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ}: ألم تبلغكم رسالاتي وتُقرأ عليكم آيات قرآني واضحة جلية بالأدلة والبراهين؟! {فَاسْتَكْبَرْتُمْ}: فتعاليتم عن قبولها، وغمطتم الحق، وأبيتم الانقياد للرسول صلى الله عليه وسلم؛ {وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ}: وكنتم في سابق أمركم قوماً متأصلين في الإجرام والكفر والمعاصي.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على قراءة هذه الآية الكريمة، مع مراعاة إثبات الياء في {آيَاتِي} وصلاً ووقفاً، والمد المنفصل في {آيَاتِي تُتْلَىٰ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{فَاسْتَكْبَرْتُمْ}: الاستكبار: طلب الكبر والتعاظم على الحق بغير حق، ورده احتقاراً له؛ وهو ذروة آفات القلوب.
{مُّجْرِمِينَ}: جمع مُجْرِم، اسم فاعل من أَجْرَمَ؛ والإجرام: ارتكاب الجرائم والذنوب العظام التي تقطع حبال المودة مع الله.
الإعراب الدقيق:
{وَأَمَّا}: الواو عاطفة تفصيلية، أمّا حرف شرط وتفصيل وتوكيد.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
{آيَاتِي}: اسم تكن مرفوع بالضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
{تُتْلَىٰ}: مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة المقدرة ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي، والجملة في محل نصب خبر تكن.
{عَلَيْكُمْ}: متعلقان بتتلى.
{فَاسْتَكْبَرْتُمْ}: الفاء عاطفة تفيد السببية، استكبرتم فعل ماض مبني على السكون والتاء فاعل والميم للجمع.
{وَكُنتُمْ}: عاطفة وفعل ماض ناقص والتاء اسمه.
{قَوْمًا}: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة.
{مُّجْرِمِينَ}: نعت لـ (قوماً) منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التامة وحذف الجواب للتهويل:
في حق المؤمنين قال: {فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ} فصرح بالنعيم، وهنا في حق الكفار حذف جواب الشرط ليحل محله التقريع الصاعق الفوري: {أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ}؛ إشعاراً بأنهم لا يستحقون حتى مجرد التنويه بوجودهم، بل يبادرون بالسحق النفسي والتقريع أمام الخلائق.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
انقطاع حجة الاعتذار بالجهل:
قوله {أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} يقطع كل عذر قد يتذرع به الجاحدون؛ فالحجة قامت عليهم بسماع الآيات وتكرار تلاوتها، فكان كفرهم عناداً واستكباراً خالصاً، واستحقوا العقاب لكونهم قوماً مجرمين اختاروا الإجرام وسيلة ومنهاجاً.
قال أولاً {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} بضمير الغائب، ثم التفت في التقريع إلى الخطاب المباشر {عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ}؛ ليكون التوبيخ أوقع في نفوسهم وأشد إيلاماً وخزياً.
إضافة الآيات إلى ياء المتكلم {آيَاتِي}: تشريف عظيم للآيات وإبراز لجرم من ردها؛ فالرد كان موجهاً إلى كلام الله الملك الديان مباشرة.
التعبير بـ {قَوْمًا مُّجْرِمِينَ}: الإشعار بأن الإجرام لم يكن فلتة عارضة بل كان وصفاً لازماً لجماعتهم وسلوكهم الجمعي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم آيات الله عند سماعها: الواجب على المؤمن إذا سمع آيات الله تتلى عليه أن يزداد خضوعاً وتواضعاً وإنابة، حذراً من التشبه بهؤلاء المستكبرين.
إقامة الحجة بالدعوة والبيان: على الدعاة أن يحرصوا على تلاوة القرآن وإيصال معانيه الصافية للناس؛ فبذلك تقوم الحجة وتبطل معاذير المكذبين.