التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ١٠٧-١٠٩)مصدر غير محدد٢٢/١٠٧ وابن كثير (٧/ ٢٧٣-٢٧٤)مصدر غير محدد٧/٢٧٣ والقرطبي (١٦/ ١٦٣-١٦٦)مصدر غير محدد١٦/١٦٣: هذه مقالة طائفة الدهرية والزنادقة من كفار العرب والملحدين في كل عصر؛ قالوا جحوداً وإنكاراً للبعث والنشور والإله الخالق: {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا}: لا دار إلا هذه الدار، ولا معاد، ولا قيامة؛ {نَمُوتُ وَنَحْيَا}: أي يموت الآباء وتولد الأبناء، يموت جيل ويحيا جيل، أو نحيا في الدنيا ثم نموت ولا رجعة؛ {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}: وما يفنينا إلا توالي الأيام والليالي ومرور الزمان والطبائع؛ فرد الله تعالى عليهم وكشف جهلهم: {وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ}: ليس لقولهم هذا أي برهان عقلي أو حسي أو كتاب إلهي، {إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}: ما قولهم إلا ظنون وأوهام وتخرصات باطلة لا وزن لها في ميزان العلم الحقيقي.
الحديث الصحيح في النهي عن سب الدهر:
أخرج البخاري (٤٨٢٦) ومسلم (٢٢٤٦) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله عز وجل: يُؤْذِينِي ابنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ".
والمعنى: أنا خالق الدهر ومصرفه ومدبر ما يحدث فيه، فمن سب الدهر لكونه أهلكه أو نكبته نوائبه فإنما يسب الفاعل الحقيقي وهو الله سبحانه وتعالى.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على قراءة هذه الآية الكريمة، مع مراعاة تخفيف الهمز وإثبات المد في {الدُّنْيَا} و{يُهْلِكُنَا إِلَّا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الدَّهْرُ}: الزمان الممتد، والأمد الطويل من الوقت والقرون المتتابعة.
{يَظُنُّونَ}: الظَّنُّ: ترجيح أحد الاحتمالين دون يقين؛ والمراد هنا: التخرص والرجم بالغيب واتباع الأوهام التي لا سند لها.
الإعراب الدقيق:
{وَقَالُوا}: الواو استئنافية، قالوا فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
{مَا}: نافية مهملة لدخول إلا.
{هِيَ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ (يعود على الحياة أو القصة).
{إِلَّا}: أداة حصر.
{حَيَاتُنَا}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف، و(نا) ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
{الدُّنْيَا}: نعت لـ (حياتنا) مرفوع بالضمة المقدرة على الألف للتعذر.
{نَمُوتُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره نحن، والجملة في محل نصب حال أو بدل أو تفسيرية.
{وَنَحْيَا}: معطوف على نموت مرفوع بالضمة المقدرة.
{وَمَا}: الواو عاطفة، ما نافية.
{يُهْلِكُنَا}: مضارع مرفوع بالضمة، و(نا) مفعول به.
{إِلَّا}: أداة حصر.
{الدَّهْرُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{وَمَا}: الواو حالية، ما نافية.
{لَهُم}: متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
{بِذَٰلِكَ}: متعلقان بمحذوف حال من علم.
{مِنْ}: حرف جر زائد لتأكيد النفي واستغراق الجنس.
{عِلْمٍ}: مبتدأ مؤخر مجرور لفظاً مرفوع محلاً وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وجملة (وما لهم بذلك من علم) حالية.
{إِنْ}: حرف نفي مبني على السكون بمعنى (ما).
{هُمْ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{إِلَّا}: أداة حصر.
{يَظُنُّونَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ (هم).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تعرية الفلسفة الدهرية المادية بعد فضح عبادة الهوى:
في الآية السابقة بيّن انتكاس عابد الهوى، وهنا كشف المعتقد الفلسفي الذي يتستر به: إنكار البعث ونسبة الخلق والفناء إلى الدهر المادي الصامت؛ ليتضح أن الإلحاد والدهرية ليسا سوى انعكاس نفسي لاتباع الشهوات والتفلت من التكاليف الشرعية.
المحاكمة المعرفية الحاسمة:
النظم القرآني يحاكم مقالتهم بميزان المنهجية المعرفية والمعرفة العلمية: {وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}؛ فأسقط دعواهم بنفي الدليل العلمي، وأثبت أن الإلحاد يقوم على الظن والتخمين لا على البرهان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض التفسير المادي للموت والحياة:
تزعم الدهرية والمادية المعاصرة أن الحياة تتولد ذاتياً والوفاة مجرد توقف آلي للأجهزة العضوية؛ والرد العقلي: الزمان (الدهر) وعاء للأحداث وحركة للأفلاك، والوعاء ظرف مجرد لا يملك إرادة ولا قدرة على إيجاد حياة معقدة ولا سلبها بنظام مقدر؛ فالخالق المحيي المميت هو الإله الحكيم الحي القيوم، ونسبة الخلق والإهلاك إلى الزمان جهل محض ونسب لأمر غير فاعل إلى فعل خارق.
الحصر الأول والثاني يمثلان انغلاق الأفق المعرفي للكافر وحصره الوجود في المادة المحسوسة، والحصر الثالث يمثل الرد القرآني الذي يحصر مقالتهم في دائرة الوهم والجهل والظن.
دخول {مِنْ} الاستغراقية على {عِلْمٍ}: لنفي أدنى درجات العلم؛ فليس لديهم ربع علم ولا ذرة برهان تدعم مذهبهم الباطل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحصين الشباب ضد الإلحاد المعاصر: تبيان أن الفلسفات الإلحادية والمادية القديمة والجديدة لا تملك حقائق علمية تثبت عدم وجود الخالق أو تنفي البعث، بل هي مجرد هروب نفسي وظنون مكابرة.
التحرر من النظرة الدنيوية الضيقة: المؤمن يعلم أن هذه الحياة الدنيا مزرعة وقنطرة لدار البقاء، فلا يقصر همته على الشهوات الفانية التي تنتهي بالتراب.