التوجيه بالمأثور: أخرج الطبري (٢٢/ ٨٨-٨٩)مصدر غير محدد٢٢/٨٨ وابن كثير (٧/ ٢٦٧)مصدر غير محدد٧/٢٦٧: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ}: أي هذه البراهين والحجج الكونية العظيمة، وحجج هذا القرآن المبين، نتلوها عليك يا محمد بالحق والصدق واليقين؛ فإذا لم يؤمنوا بهذه الآيات البينات ولم يصدقوا بكلام الله، فبأي حديث وكلام وخبر بعد كلام الله وآياته يؤمنون؟!
توجيه القراءات المتواترة:
قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر، وحفص عن عاصم: {يُؤْمِنُونَ} بياء الغيبة؛ على الالتفات للإخبار عن المشركين وذم حالهم.
وقرأ نافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وشعبة عن عاصم، ويعقوب، وخلف العاشر: {تُؤْمِنُونَ} بتاء الخطاب؛ مواجهة للمشركين وتقريعاً وتوبيخاً مباشراً لهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{تِلْكَ}: اسم إشارة للبعيد، لبيان علو رتبة المشار إليه وسمو مكانته.
{نَتْلُوهَا}: التلاوة: القراءة المتتابعة المنظمة؛ تلا يتلو تلاوة.
{بِالْحَقِّ}: الحق: الثابت المطابق للواقع، المنزه عن الباطل والعبث والزلل.
{حَدِيثٍ}: الكلام والخبر؛ وكل ما يُتحدث به ويُستجد من الأخبار.
الإعراب الدقيق:
{تِلْكَ}: تي اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف للخطاب.
{آيَاتُ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{اللَّهِ}: اسم الجلالة مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{نَتْلُوهَا}: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة، و(نا) ضمير متصل فاعل، والهاء مفعول به، وجملة نتلوها في محل نصب حال من آيات الله (أو خبر ثانٍ).
{عَلَيْكَ}: متعلقان بنتلوها.
{بِالْحَقِّ}: الباء للملابسة، الحق اسم مجرور، والجار والمجرور في محل نصب حال من فاعل نتلوها أو مفعولها؛ أي ملتبسة بالحق.
{فَبِأَيِّ}: الفاء فصيحة، الباء حرف جر، أيِّ اسم استفهام مجرور وهو مضاف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (يؤمنون).
{حَدِيثٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{بَعْدَ}: ظرف زمان أو رتبة منصوب متعلق بمحذوف نعت لـ (حديث)، وهو مضاف.
{اللَّهِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة؛ والمراد: بعد حديث الله أو بعد كلام الله وكتابه.
{وَآيَاتِهِ}: معطوف على اسم الجلالة مجرور بالكسرة، والهاء مضاف إليه.
{يُؤْمِنُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج البراهين الكونية ببرهان الوحي:
بعد أن فصّل الآيات في السماوات والأرض والأنفس والرياح والأرزاق، جاء هذا الإجمال والتعقيب الفخم: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ}؛ ليجمع شتات البراهين ويربطها بالرسول صلى الله عليه وسلم وبالتلاوة الإلهية الحقة.
إفحام المعاندين بالاستفهام التقريعي:
الانتقال إلى الاستفهام الإنكاري: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}؛ لقطع كل أمل في وسيلة أخرى للهداية لمن أعرض عن كتاب الله وبراهينه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإشكال: كيف قال {بَعْدَ اللَّهِ} والله تعالى ليس حديثاً ولا متقدماً زمانياً؟
المحاكمة والبيان:
هذا أسلوب عربي فصيح يقوم على "حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه"؛ والتقدير: فبأي حديث بعد حديث الله وآياته يؤمنون؟ ونظيره قوله تعالى: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}.
ذكر اسم الجلالة مباشرة فيه من التعظيم والتهويل ما يقطع حجة كل معاند؛ فإذا كان كلام رب الأرباب وخالق الوجود لا يقنعهم، فماذا عسى أن يقنعهم بعده؟! أكلام كاهن أم شعر شاعر أم خرافات دهرية زائلة؟!
الإشارة بـ {تِلْكَ}: لعلو منزلة الآيات ورفعة قدرها في سلم المعرفة واليقين.
الاستفهام الإنكاري التوبيخي: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ}: أبلغ صيغ إعلان الإفلاس المعرفي للمكذبين؛ إذ لا كلام أصدق من كلام الله ولا بيان أهدى من بيانه: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا}.
قصر الحق على التلاوة الربانية: {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} فلا شائبة لظن أو كذب يعتريها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين المطلق بأن القرآن كافٍ للهداية: من لم يعظه القرآن وتزجره آياته فلن تزجره كل فلسفات الأرض، والدعوة إنما تثمر ببيان القرآن وتقديمه نقياً للناس.
الحذر من الركون إلى محدثات الأقوال: جعل كتاب الله الحاكم والميزان لكل قول وفكر، وعرض كل حديث ونظرية على محكم آياته.