التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ١١٨-١١٩)مصدر غير محدد٢٢/١١٨ وابن كثير (٧/ ٢٧٧)مصدر غير محدد٧/٢٧٧ والقرطبي (١٦/ ١٧١)مصدر غير محدد١٦/١٧١: {ذَٰلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا}: هذا العذاب المقيم والنكال الأليم الذي حل بكم إنما كان بسبب اتخاذكم لحجج الله وبراهين قرآنه مادة للسخرية والاستهزاء والتكذيب في دنياكم؛ {وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}: وخدعتكم الدنيا بزخارفها الفانية وشهواتها العاجلة وأمانيكم الباطلة حتى ظننتم أن لا بعث ولا حساب؛ {فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا}: ففي هذا اليوم القيامي لا سبيل لهم إلى الخروج من نار جهنم أبداً بل هم خالدون فيها أبداً؛ {وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ}: ولا يُطلب منهم أن يرجعوا إلى ما يرضي الله؛ لأنه قد فات أوان الرضا وانقضت دار التكليف، ولا تُقبل لهم معذرة ولا فدية.
توجيه القراءات المتواترة:
قرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر: {فَالْيَوْمَ لَا يَخْرُجُونَ} بفتح الياء وضم الراء؛ مبنياً للفاعل؛ أي لا يقدرون على الخروج بأنفسهم ولا يملكون له سبيلاً.
وقرأ الباقون من القراء العشرة: {فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ} بضم الياء وفتح الراء؛ مبنياً للمجهول؛ أي لا يخرجهم مخرج ولا يُقضى لهم بالخروج إطلاقاً. والقراءتان متآخيتان تفيضان بأن الخروج مستحيل منهم أو من غيرهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{غَرَّتْكُمُ}: الغُرور: الخداع وإطماع النفس بالباطل؛ غره يغره غروراً إذا خدعه وأطال أمله فيما لا حقيقة له.
{يُسْتَعْتَبُونَ}: الاستعتاب: طلب العُتْبَى؛ والعتبى هي الرضا وإزالة العتاب؛ أي لا يُطلب منهم إرضاء ربهم بالعمل والتوبة؛ لأن الآخرة دار جزاء لا دار عمل؛ وقيل: لا يُعتبون ولا يُقبل اعتذارهم.
الإعراب الدقيق:
{ذَٰلِكُم}: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب والميم للجمع.
{بِأَنَّكُمُ}: الباء حرف جر للسببية، أن حرف توكيد ونصب، والكاف اسمها والميم للجمع.
{اتَّخَذْتُمْ}: فعل ماض مبني على السكون والتاء فاعل والميم للجمع.
{آيَاتِ}: مفعول به أول لـ (اتخذتم) منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة، وهو مضاف.
{اللَّهِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{هُزُوًا}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة، والمصدر المؤول من أن ومعموليها في محل جر بالباء متعلق بمحذوف خبر المبتدأ (ذلكم)؛ أي: جزاؤكم كائن بسبب اتخاذكم.
{وَغَرَّتْكُمُ}: عاطفة وفعل ومفعول به، والتاء للتأنيث.
{الْحَيَاةُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الدُّنْيَا}: نعت للحياة مرفوع بالضمة المقدرة.
{فَالْيَوْمَ}: الفاء فصيحة عاطفة، اليوم ظرف زمان منصوب متعلق بـ (يخرجون).
{لَا}: نافية.
{يُخْرَجُونَ}: مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل (أو مبني للمعلوم {يَخْرُجُونَ} والواو فاعل في قراءة حمزة والكسائي).
{مِنْهَا}: متعلقان بيخرجون، والضمير يعود على النار.
{وَلَا}: الواو عاطفة، لا نافية.
{هُمْ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{يُسْتَعْتَبُونَ}: مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ (هم).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تلخيص جذور الضلال وأسبابه:
الآية تلخص في كلمتين سبب شقاء الإنسان وخسرانه الأبدي:
١. الاستهزاء بالوحي: {اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا}.
٢. الاغترار بالدنيا الفانية: {وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}.
ومن اجتمع فيه هذان المرضان انتهى حتماً إلى الخلود في الجحيم.
قفل باب النجاة بـ {لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ}:
ختام المشهد بإيصاد أبواب جهنم عليهم؛ فلا خروج بالقدرة، ولا خروج بالشفاعة، ولا رجوع للاسترضاء والتوبة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان دعوى فناء النار أو خروج الكفار منها:
الآية صريحة قاطعة في أبدية عذاب الكفار المشركين المكذبين: {فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا}؛ فبناء الفعل للمعلوم والمجهول في القراءتين المتواترتين يقطع كل أمل في الخروج بذواتهم أو بإخراج غيرهم لهم، ويؤكد حكم الخلود الأبدي الذي انعقد عليه إجماع أهل السنة والجماعة.
قال أولاً: {بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ... وَغَرَّتْكُمُ} بخطابهم، ثم قال: {فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا} بضمير الغيبة؛ للإعراض عنهم وطردهم من حظيرة الخطاب والكرامة إلى زوايا الإهمال والنسيان.
إسناد الغرور إلى {الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}: استعارة مكنية؛ صور الدنيا كأنها شخص مخادع غدار يزين الباطل ويغري بالمكاره حتى يوقع صاحبه في الحفرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من سحر الدنيا وغرورها: الدنيا دار ممر وامتحان؛ فالعاقل من اتخذها مطية للآخرة ولم يغتر بزينتها وزخرفها الزائل.
الاستدراك في دار المهلة: اغتنام نعمة الحياة اليوم قبل أن يُقال: {فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ}، فاليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل.