التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ٩٦-٩٧)مصدر غير محدد٢٢/٩٦ والقرطبي (١٦/ ١٥٥)مصدر غير محدد١٦/١٥٥ وابن كثير (٧/ ٢٧٠)مصدر غير محدد٧/٢٧٠: في سبب نزول هذه الآية: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ومقاتل: أن رجلاً من المشركين شتم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمكة قبل الهجرة فهمّ أن يبطش به، فأنزل الله هذه الآية يأمر المؤمنين بالعفو والصفح عن أذى المشركين والذين لا يخافون نقمات الله ولا يرجون ثوابه في أيامه ووقائعه بالأمم السابقة، ريثما يقوى أمر الإسلام؛ {لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}: ليتولى الله سبحانه بنفسه جزاء كل فريق بما كسب؛ فيثيب المؤمنين على صبرهم وعفوهم، ويعاقب الكافرين على بغيهم وجحودهم.
توجيه القراءات المتواترة:
قرأ الجمهور (نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم بحفص، وابن عامر، ويعقوب): {لِيَجْزِيَ} بالياء التحتية مبنياً للفاعل وهو الله تعالى، ونصب {قَوْمًا} مفعولاً به.
وقرأ أبو جعفر وشيبة: {لِيُجْزَى} بضم الياء وفتح الزاي مبنياً لما لم يُسمَّ فاعله، ورفع {قَوْمٌ} نائب فاعل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يَغْفِرُوا}: المغفرة: الستر والتجاوز والصفح عن الإساءة؛ غفر الذنب إذا ستره ولم يعاقب عليه.
{يَرْجُونَ}: الرجاء: الأمل وتوقع الخير، ويستعمل أيضاً بمعنى الخوف؛ أي لا يخافون عذاب الله ولا يأملون ثوابه ولقاءه.
{أَيَّامَ اللَّهِ}: وقائع الله ونعمته ونقماته في الأمم السالفة؛ كأيام عاد وثمود، ويوم بدر؛ والعرب تسمي الوقائع العظمى أياماً؛ كيوم ذي قار.
الإعراب الدقيق:
{قُل}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{لِّلَّذِينَ}: اللام حرف جر، الذين اسم موصول مبني في محل جر متعلق بـ (قل).
{آمَنُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول.
{يَغْفِرُوا}: فعل مضارع مجزوم في جواب الطلب (قل) وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل فاعل (وجملة يغفروا جواب الطلب أو مقول القول بتقدير: اغفروا).
{أَيَّامَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو مضاف.
{اللَّهِ}: اسم الجلالة مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{لِيَجْزِيَ}: اللام لام التعليل، يجزيَ مضارع منصوب بأن مضمرة بالفتحة الظاهرة، والفاعل ضمير يعود على الله.
{قَوْمًا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة (أو نائب فاعل مرفوع {قَوْمٌ} في قراءة أبي جعفر).
{بِمَا}: الباء سببية، ما موصولية أو مصدرية في محل جر بالباء متعلقان بيجزي.
{كَانُوا}: فعل ماض ناقص والواو اسمه.
{يَكْسِبُونَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وجملة يكسبون في محل نصب خبر كان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التربية الإيمانية على ضبط النفس:
بعد أن بين النعم العظمى واستكبار الأفاكين، وجّه المؤمنين إلى أعلى مراتب الحكمة والدبلوماسية الدعوية: الصفح والعفو في مرحلة الضعف، لئلا تجرهم الاستفزازات الجاهلية إلى معارك جانبية تصرفهم عن بناء العقيدة وترسيخ الإيمان.
ربط الصفح بعدالة الجزاء الإلهي:
تعليل الأمر بالمغفرة بقوله {لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} يسكب الطمأنينة في قلب المؤمن المظلوم؛ فالله لم يأمرك بالعفو لتهدر حقك، بل لأن الله هو الذي سيتولى الانتقام والجزاء العدل الذي لا يفلت منه ظالم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
مسألة النسخ في آية الصفح:
ذهب بعض المفسرين إلى أن الآية منسوخة بآيات القتال (كآية السيف)؛ والتحقيق الرصين عند محققي الأصوليين والمفسرين (كابن تيمية وابن القيم وابن عاشور): أن الآية ليست منسوخة نسخاً كلياً، بل هي حكم شرعي معمول به في حال الاستضعاف الفردي أو الجماعي وفي مقامات الدعوة والصفح عن جهلة العوام، بينما آيات الجهاد تُعمل في حال القوة والتمكين ودفع العدوان؛ فالشريعة تتسع لأحوال الأمة في مراحلها المتنوعة.