التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ٨٦)مصدر غير محدد٢٢/٨٦ وابن كثير (٧/ ٢٦٦)مصدر غير محدد٧/٢٦٦ والقرطبي (١٦/ ١٥١)مصدر غير محدد١٦/١٥١: يقرر الله تبارك وتعالى أن في خلق السماوات في ارتفاعها واتساعها ونجومها وشمسها وقمرها، وفي خلق الأرض في بسطها وجبالها وأنهارها وأشجارها، لدلائل وبراهين باهرة قاطعة للمصدقين بالله ورسله، الدالّة على قدرة الخالق العظيم ووحدانيته وحكمته؛ إذ المؤمنون هم الذين ينظرون بعين البصيرة والاعتبار فتستقر الحقائق في قلوبهم.
توجيه القراءات المتواترة:
قرأ القراء العشرة: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ}، بكسر التاء في {لَآيَاتٍ} لأنه اسم إنّ المؤخر منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لكونه جمع مؤنث سالماً، واللام هي اللام المزحلقة للتوكيد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{السَّمَاوَاتِ}: جمع سَمَاء، من مادة (س م و) التي تدل على العلو والارتفاع؛ كل ما علاك وظلّك فهو سماء.
{الْأَرْضِ}: الكوكب المستقر المستقر تحته، من الأَرَض وهو الانخفاض والرجحان.
{لَآيَاتٍ}: جمع آية، وهي العلامة والدلالة الظاهرة المنصوبة للتعريف بالشيء؛ وآيات الله دلائل قدرته ووحدانيته.
{لِلْمُؤْمِنِينَ}: المصدقين بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم بما يجب الإيمان به.
{وَالْأَرْضِ}: الواو حرف عطف، الأرضِ اسم معطوف على السماوات مجرور بالكسرة الظاهرة.
{لَآيَاتٍ}: اللام هي المزحلقة للتوكيد، آياتٍ اسم إنّ مؤخر منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{لِلْمُؤْمِنِينَ}: اللام حرف جر للاختصاص أو النفع، المؤمنين اسم مجرور باللام وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم، والجار والمجرور متعلقان بنعت محذوف لـ (آيات).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من الكتاب المسطور إلى الكتاب المنظور:
بعد أن قرر في الآية السابقة مصدر الكتاب المسطور {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ}، انتقل مباشرة إلى استعراض صفحات الكتاب المنظور {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ}؛ ليتطابق الوحيان: وحي التنزيل ووحي التكوين.
تخصيص المؤمنين بالذكر:
الآيات مبثوثة يراها كل إنسان، ولكن خُص المؤمنون بالذكر؛ لأنهم وحدهم المنتفعون برؤيتها، المتجاوزون لمظاهر المادة إلى جلال الصانع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإشكال: إذا كانت الآيات دالة بذاتها، فلماذا لم يهتدِ بها الكفار والمشركون وهم يعاينون السماوات والأرض كل يوم؟
المحاكمة والبيان:
الآيات أسباب للهداية، ولكن السبب لا يعمل إلا مع انتفاء الموانع وتوفر المحل القابل؛ والمشرك مطموس البصيرة بالكبر والتقليد والأهواء، يمر على آيات الله وهو عنها معرض، فكانت الآيات نافعة وبينة للمؤمنين الذين تجردوا للحق ونظروا بتأمل وافتقار.
الجمع بين السماوات والأرض: إحاطة كونية تستوعب أرجاء الوجود؛ فالسماء بأفلاكها والأرض باستقرارها منظومة متكاملة تشهد بإله واحد مدبر حكيم.
التنكير في {لَآيَاتٍ}: للتعظيم والكثرة والتنوع الذي لا يحصى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عبادة التفكر في الآفاق: إحياء عبادة النظر في خلق السماوات والأرض؛ فإن التفكر ساعة يورث في القلب من الإجلال واليقين ما لا تورثه كثير من العبادات المحضة.
تجديد الإيمان بالتدبر: ربط مظاهر الطبيعة وعظمتها برب العزة والخالق، ليتحول المشهد البصري إلى صلاة وجدانية حارة.