التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ١٠١)مصدر غير محدد٢٢/١٠١، وابن كثير (٧/ ٢٧١)مصدر غير محدد٧/٢٧١، والقرطبي (١٦/ ١٥٧)مصدر غير محدد١٦/١٥٧: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ}: يقول تعالى لرسوله وخاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم: بعد ما مضى من أمر بني إسرائيل واختلافهم بعد مجيء العلم، جعلناك يا محمد وأمتك على منهاج واضح وطريقة مستقيمة وسنة بينة من أمر الدين والوحي الذي أرسلنا به الرسل قبلك؛ {فَاتَّبِعْهَا}: فالزم هذه الشريعة واعمل بأحكامها وحدودها وادعُ إليها؛ {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}: ولا تطع المشركين والجهال فيما يدعونك إليه من عبادة آلهتهم الباطلة أو تحكيم أهوائهم الوضعية الزائلة.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على قراءة هذه الآية الكريمة، بفتح العين في {فَاتَّبِعْهَا}، وسكون العين في النهي {وَلَا تَتَّبِعْ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{شَرِيعَةٍ}: الشَّرِيعَة والشِّرْعَة في لسان العرب: المَوْرِد والمَشْرَعَة التي يُرد منها الماء العذب الزلال، واستعيرت في لسان الشرع لمنهاج الدين وأحكامه وأوامره ونواهيه التي شرعها الله لعباده؛ لأنها تحيي الأرواح والقلوب كما يحيي الماء الأبدان.
{أَهْوَاءَ}: جمع هَوًى؛ وهو ميل النفس إلى ما يلائم شهواتها بغير هدى من الله، وسُمي هوى لأنه يهوي بصاحبه في مهاوي الردى.
{لَا يَعْلَمُونَ}: نفي العلم الحقيقي؛ لأن كل علم لا يقوم على الوحي واليقين فهو جهل وهوى.
الإعراب الدقيق:
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد الترتيب والتراخي الرتبي لعلو شأن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم.
{جَعَلْنَاكَ}: جعل فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والكاف مفعول به أول.
{عَلَىٰ شَرِيعَةٍ}: جار ومجرور في محل نصب مفعول ثانٍ لـ (جعلناك) أو متعلقان بحال محذوفة.
{مِّنَ الْأَمْرِ}: متعلقان بنعت محذوف لـ (شريعة).
{فَاتَّبِعْهَا}: الفاء فصيحة رابطة لجواب شرط مقدر، اتّبع فعل أمر مبني على السكون والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت، والهاء مفعول به.
{وَلَا}: الواو عاطفة، لا ناهية جازمة.
{تَتَّبِعْ}: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت.
{أَهْوَاءَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، وهو مضاف.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المحور الناظم وذروة السنام في السورة:
هذه الآية هي الآية المركزية في سورة الجاثية كلها، وتسمى بها السورة (سورة الشريعة)؛ فبعد أن استعرض دلائل الآفاق والأنفس، ونعم التسخير، وتجربة بني إسرائيل وانحرافهم بالبغي، توج كل ذلك بإرساء الحاكمية المطلقة للشريعة الخاتمة: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا}.
التقسيم الثنائي الحاسم (الشريعة في مقابل الهوى):
النظم القرآني لا يعرف منطقة رمادية؛ فإما شريعة من عند الله مبنية على العلم والعدل والحكمة، وإما أهواء جاهلية منبثقة عن الجهل والشهوة؛ فمن حاد عن الشريعة قيد أنملة فقد وقع في الهوى حتماً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كمال الشريعة وإحاطتها واستيعابها لكل مناحي الحياة وسموها على سائر الأنظمة الوضعية:
يدعي دعاة العلمانية والتغريب أن الشريعة مجرد طقوس عبادية روحية لا صلة لها بالحكم والسياسة والاجتماع؛ والرد المحكم: لفظ {شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ} ولفظ {الْأَمْرِ} يشمل كل شؤون الحياة العامة والخاصة، والدين والدولة، والحكم والقضاء، والأخلاق والمعاملات؛ فالأمر باتباعها أمر جازم بالتحاكم إليها في كل صغيرة وكبيرة ونبذ أهواء الذين لا يعلمون.
الاستعارة في لفظ {شَرِيعَةٍ}: تصوير بديع؛ فالشريعة هي المورد العذب العذب الصافي الذي لا يظمأ وارده، والتشريعات الوضعية سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء.
الاستعلاء بـ {عَلَىٰ}: {عَلَىٰ شَرِيعَةٍ} تفيد التمكن والرسوخ والثبات والارتفاع؛ فالرسول والمؤمنون مستعلون بهذه الشريعة على سائر الملل والنحل الزائفة.
وصف أهل الباطل بـ {الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}: تجريد لكل القوانين والنظريات المعارضة للشرع من صفة العلم الحقيقي، والحكم عليها بأنها جهالات وأهواء مضلة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب التحاكم إلى الشريعة الإسلامية: الإيمان الجازم بأنه لا صلاح للأمة ولا نجاة لها في الدنيا والآخرة إلا بتحكيم كتاب الله وسنة رسوله في الدماء والأموال والأعراض والسياسة.
الصمود أمام الضغوط الفكرية الغربية والجاهلية: الثبات على أحكام الإسلام والاعتزاز بها، والحذر الشديد من مسايرة الأهواء وتفصيل الدين على مقاس الشهوات المعاصرة.