التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ٩٨)مصدر غير محدد٢٢/٩٨ وابن كثير (٧/ ٢٧٠)مصدر غير محدد٧/٢٧٠ والقرطبي (١٦/ ١٥٦)مصدر غير محدد١٦/١٥٦: يقرر الله تعالى قاعدة العدالة الجزائية المطلقة والمسؤولية الفردية الأخلاقية؛ فمن عمل عملاً صالحاً خالصاً لوجه الله مطابقاً لشرعه فإن نفع ذلك وثوابه عائد إليه وحده، ومن عمل سوءاً وأساء واجترح السيئات فإن وبال شؤمه وعقابه مقصور عليه لا يتحمله غيره: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}، ثم المرجع والمآب في نهاية المطاف إلى ربكم وحده فيجازي كل إنسان بعمله التام.
توجيه القراءات المتواترة:
قرأ الجمهور (نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف العاشر): {تُرْجَعُونَ} بضم التاء وفتح الجيم مبنياً للمجهول.
{تُرْجَعُونَ}: فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل (أو فاعل في قراءة يعقوب).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج قاعدة الجزاء بعد الأمر بالمغفرة:
لما أمر المؤمنين بالعفو وقال {لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، رسخ هنا القاعدة الكلية التي تبدد كل غيظ في النفس: عمل كل إنسان محصور في دائرة مسؤوليته؛ فالمحسن ينفع نفسه، والمسيء إنما يضر ذاته أولاً وأخيراً.
التدرج من العمل إلى المآل:
بدأت الآية بتصنيف الأعمال في الدنيا (صالح وإساءة)، وختمت بالصيرورة المحتومة إلى الله في الآخرة {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ}؛ ليتطابق البدء بالمنتهى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير الإرادة الإنسانية والمسؤولية الأخلاقية:
الآية حجة دامغة على الجبرية؛ فهي تثبت للإنسان كسباً وعملاً حقيقياً يُنسب إليه استحقاقاً: {عَمِلَ} و{أَسَاءَ}، وتثبت عدالة الجزاء الإلهي الذي يتنزه عن الظلم: {فَلِنَفْسِهِ} و{فَعَلَيْهَا}، فلا يحمل أحد وزر غيره ولا يُحرم عامل من أجر عمله.
استعمل اللام في {فَلِنَفْسِهِ} لأن اللام تفيد النفع والملك والاختصاص الصالح.
واستعمل (على) في {فَعَلَيْهَا} لأن (على) تفيد الاستعلاء والوزر والمضرة والثقل.
الالتفات في الخطاب:
انتقل من أسلوب الغيبة في {فَلِنَفْسِهِ} و{فَعَلَيْهَا} إلى أسلوب الخطاب المباشر {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ}؛ لإيقاظ وجدان السامع وتذكيره بأنه هو ذاته المخاطب بهذا المصير المحتوم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير القلب من المنّ بالأعمال: أن يعلم المؤمن أن طاعته وعبادته وجهاده لا تنفع الله شيئاً، بل النفع عائد إلى نفسه الفقيرة المحتاجة إلى رحمة الله.
الشفقة على العصاة والمسيئين: إدراك أن الظالم والمسيء إنما يطلق النار على نفسه ويورد ذاته المهالك، مما يورث الداعية حرصاً على إنقاذه بدلاً من مجرد الحقد عليه.