التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ١٠٩-١١٠)مصدر غير محدد٢٢/١٠٩ وابن كثير (٧/ ٢٧٤)مصدر غير محدد٧/٢٧٤ والقرطبي (١٦/ ١٦٦)مصدر غير محدد١٦/١٦٦: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ}: وإذا قُرئت على هؤلاء الدهريين والمشركين آيات القرآن الواضحة الدالة على قدرة الله على إحياء الموتى وإعادتهم يوم القيامة؛ {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}: لم يكن لهم دفع لحجج القرآن ولا جواب علمي إلا المكابرة والمطالبة بإحياء آبائهم الموتى؛ كقصي بن كلاب وغيره؛ ليشهدوا بصدق البعث؛ وهو طلب تعنت وعناد؛ لأن موعد الإحياء المقدر هو يوم القيامة لا دار الدنيا التي هي دار عمل وتكليف.
توجيه القراءات المتواترة:
قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف العاشر: {حُجَّتَهُمْ} بنصب التاء خبراً مقدماً لـ (كان)، والمصدر المؤول {أَن قَالُوا} اسمها المؤخر.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة وأبو جعفر ويعقوب: {حُجَّتُهُمْ} برفع التاء اسماً لـ (كان)، والمصدر المؤول خبرها.
وعند الابتداء بـ {ائْتُوا} لجميع القراء: تُبدل همزة الوصل ياءً مدية خفيفة لمناسبة كسرة التاء قبلها: (إِيتُوا).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{حُجَّتَهُمْ}: الحُجَّة: الدليل والبرهان المأخوذ من الحج وهو القصد للغلبة بالدليل؛ وسُمي قولهم هنا حجة على سبيل التهكم والمشاكلة؛ لأنه ليس بحجة حقيقية بل تعنت ساقط.
{بَيِّنَاتٍ}: واضحات الدلالة مفصلات البراهين.
الإعراب الدقيق:
{وَإِذَا}: الواو عاطفة، إذا ظرف زمان متضمن معنى الشرط.
{كُنتُمْ}: فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه والميم للجمع.
{صَادِقِينَ}: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجواب الشرط محذوف تقديره: فائتوا بآبائنا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فضح الإفلاس العقلي للمكذبين:
الآية تبين أسلوب المفلس العاجز عن نقض الدليل: لما قامت عليهم الحجج البينات في الآفاق والأنفس، هربوا من النقاش العقلي إلى التعجيز السخيف وطلب خوارق عينية في غير موضعها: {ائْتُوا بِآبَائِنَا}؛ ليصرفوا الأنظار عن عجزهم أمام قوة الوحي.
تسمية شبهتهم "حجة":
من أروع أساليب البلاغة؛ تهكم بهم بإطلاق لفظ {حُجَّتَهُمْ} على كلامهم الساقط؛ إشعاراً بأنه أقصى ما استطاعت عقولهم إنتاجه من شبهات، وهو عين الجهل والعجز.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد على مغالطة التوقيت في طلب البعث:
اقتراح إحياء الآباء في الدنيا مغالطة مكشوفة؛ لأن الدنيا دار ابتلاء بالغيب، فلو أُحيي الموتى عياناً في الدنيا لارتفع الغيب وصار الإيمان اضطرارياً ملجئاً، ولبطلت حكمة التكليف؛ فموعد الإحياء العام قد حدده الله الحكيم بيوم الفصل والقيامة: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا}.
أسلوب التهكم والتهجين: إطلاق الحجة على الشبهة التهافتية لإبراز ضحالة فكرهم.
الحال {بَيِّنَاتٍ}: بيان لوضوح الحجج القرآنية التي لا تدع مجالاً لشك إلا عند من ركب رأسه وأعرض عن الإنصاف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من مغالطة التعجيز وصرف الأنظار: على الداعية أن يثبت على أصل الدليل ولا ينجر وراء محاولات الخصم لتشتيت الحوار بأسئلة تعجيزية لا صلة لها بأصل المسألة.
قوة الحجة القرآنية: الثقة بأن القرآن لا يُعارض ببرهان حقيقي، وأن كل من حاول معارضته انتهى إلى مكابرات سخيفة تثير الشفقة والازدراء.