التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ٩٩-١٠٠)مصدر غير محدد٢٢/٩٩ وابن كثير (٧/ ٢٧١)مصدر غير محدد٧/٢٧١ والقرطبي (١٦/ ١٥٦)مصدر غير محدد١٦/١٥٦: {وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ}: أي أعطيناهم حججاً قاطعات وبراهين واضحات من أمر الدين وأمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته في كتبهم، فكانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم؛ {فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}: فما تفرقوا ولا اختلفوا عن جهل أو اشتباه، وإنما اختلفوا بعد قيام الحجة وظهور العلم حسداً وبغياً وطلباً للرياسة وحطام الدنيا الزائل؛ {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}: يحكم بينهم بحكمه العدل فيما كانوا يختلفون فيه من أمر الدين ومبعث الرسول الأمين.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على قراءة هذه الآية الكريمة، مع مراعاة إظهار وإدغام التاء في {بَيِّنَاتٍ مِّنَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{بَيِّنَاتٍ}: جمع بَيِّنَة؛ وهي الحجة الواضحة والدلالة الجلية التي تبين الحق من الباطل.
{الْأَمْرِ}: أمر الدين والشريعة ونبوة النبي الخاتم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تشخيص العلة الحقيقية للتفرق الديني:
في الآية السابقة ذكر نعم الله عليهم، وهنا شخص سبب سقوطهم الحضاري والديني: لم يكن نقصاً في الأدلة (فقد آتاهم بينات من الأمر)، ولم يكن جهلاً (بل جاءهم العلم)، وإنما كان المرض الأخلاقي: {بَغْيًا بَيْنَهُمْ}؛ وهو تحذير صارخ لأمة الإسلام من الوقوع في فخ التحاسد والتنازع على الرياسات الدينية.
الفصل الأخروي الحاسم:
ختم الآية برد القضاء إلى الله يوم القيامة، تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإشعاراً بأن الخلاف الناشئ عن البغي لن يُحسم بالجدل في الدنيا بل بحكم الديان في المعاد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بيان خطورة "العلم المصحوب بالهوى":
الآية تكشف مفارقة نفسية ومعرفية خطيرة: قد يكون الإنسان عالماً بالنصوص متبحراً في الأدلة، ومع ذلك يقوده علمه إلى الضلال والتفرق والتعصب إذا تجرد من الإخلاص والتقوى؛ فالعلم بلا ورع يتحول إلى أداة للبغي وتبرير الأهواء ومحاربة الحق وأهله.
أسلوب الحصر والاستثناء بـ {فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ}: لبيان شناعة الموقف؛ فالأصل أن العلم يجمع القلوب ويوحد الصف، ولكنهم قلبوا وظيفة العلم فجعلوه ذريعة للتفرق.
تقديم المفعول لأجله {بَغْيًا}: لتركيز الضوء على الباعث النفسي الخبيث الذي فجر هذا الشقاق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من التحاسد والبغي بين أهل العلم والدعوة: الواجب على العلماء والدعاة التواضع للحق وتطهير النفوس من حظوظ النفس والتنافس الدنيوي؛ فإن البغي أفتك أمراض الأمم.
الاعتصام بالكتاب والسنة: جمع الكلمة على محكم الوحي، ونبذ التفرق المذموم الذي يذهب الريح ويضعف الأمة أمام أعدائها.