التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ٩٥)مصدر غير محدد٢٢/٩٥ وابن كثير (٧/ ٢٦٩)مصدر غير محدد٧/٢٦٩ والقرطبي (١٦/ ١٥٤)مصدر غير محدد١٦/١٥٤: يخبر تعالى أنه سخر لبني آدم جميع ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وسحاب ومطر ورياح لإنارتهم ومواقيتهم وزروعهم، وجميع ما في الأرض من دواب وأشجار وجبال وأنهار ومعادن، {جَمِيعًا مِّنْهُ}: أي كائناً من عنده سبحانه فضلاً وإحساناً وامتناناً وجوداً، هو المتفرد بخلقه وتدبيره وتسخيره لا شريك له فيه؛ {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}: فيستدلون بعظمة هذا التسخير وإحكامه على وحدانية الخالق وجلال صفاته.
توجيه القراءات المتواترة:
قرأ القراء العشرة: {جَمِيعًا مِّنْهُ} بفتح الجيم وتنوين النصب حالاً، وكسر الميم ونون مشددة مكسورة في {مِّنْهُ}. وقرأ ابن عيينة وشعبة في رواية شاذة (جَمِيعٌ مِنْهُ) بالرفع.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{جَمِيعًا}: لفظ يفيد الإحاطة التامة والاستغراق لجميع الأفراد والأنواع دون استثناء.
{مِّنْهُ}: (مِنْ) هنا لابتداء الغاية ونشأة الإنعام؛ أي صادر منه سبحانه فضلًا وخلقاً وإيجاداً، وليست للتبعيض؛ فالله منزه عن التبعيض والتجزؤ.
{يَتَفَكَّرُونَ}: التَّفَكُّر: إعمال الفكر والعقل في الدلائل لاستنباط الحقائق؛ فكّر في الأمر تفكيراً.
الإعراب الدقيق:
{وَسَخَّرَ}: الواو عاطفة، سخّر فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله.
{لَكُم}: متعلقان بالفعل سخر.
{مَّا}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به.
{فِي السَّمَاوَاتِ}: شبه الجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{وَمَا}: معطوف على ما الأولى في محل نصب.
{فِي الْأَرْضِ}: صلة الموصول الثاني.
{جَمِيعًا}: حال منصوبة وعلامة نصبها الفتحة الظاهرة من الموصولين (ما في السماوات وما في الأرض) تفيد الإحاطة التامة.
{مِّنْهُ}: الجار والمجرور في محل نصب حال ثانية، أو متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف تقديره: ذلك منه، أو بـ (سخر).
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{فِي ذَٰلِكَ}: شبه الجملة متعلق بمحذوف خبر إنّ مقدم.
{لَآيَاتٍ}: اللام المزحلقة، آياتٍ اسم إنّ مؤخر منصوب بالكسرة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
من الخاص إلى العام المستوعب:
في الآية السابقة خصص نعمة تسخير البحر، وهنا عمم التسخير ليشمل الكون كله علويه وسفليه: {مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ}؛ لتكتمل صورة النعمة المادية التي تحيط بالإنسان من كل أفق.
ختم الآية بـ {يَتَفَكَّرُونَ}:
لأن تسخير هذا الكون الفسيح المتلاطم بقوانينه وأفلاكه لا يمكن إدراك غايته الكبرى إلا بـ "التفكر" المستنير، الذي يربط بين نعم الوجود وواجب الشكر والتوحيد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دحض شبهة التجسيم والحلول في {مِّنْهُ}:
استدل بعض الملاحدة والحلولية قديماً بقوله {جَمِيعًا مِّنْهُ} ليزعموا أن الكون جزء مقتطع من ذات الله؛ والرد العقلي واللغوي القطعي الذي قرره أئمة السلف كابن جرير وابن كثير وابن تيمية: أن (مِنْ) هنا لابتداء الغاية وليست للتبعيض؛ كما يقال: (هذا الإحسان من فلان)؛ أي من خلقه وإنعامه وفضله، كقوله تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}؛ فالكون مخلوق مربوب حادث، والله خالق بائن من خلقه لا يشبهه شيء.
التعميم بـ {مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}: تصوير لمركزية الإنسان في المنظومة الكونية؛ فالكون كله مسخر لخدمته ليتمكن من القيام بمهمة الخلافة والعبادة: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}.
كلمة {جَمِيعًا}: تأكيد استيعاب كل ذرة في الوجود لهذا القانون التسخيري الرباني، مما يقطع كل دعوى لآلهة مزعومة تملك نفعاً أو ضراً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحياء من الله المنعم: استشعار العبد أن كل نسمة هواء، وشعاع شمس، وقطرة ماء، هي عطاء خاص من ربه؛ فكيف يُعصى الإله المسخِّر بنعمه المسخَّرة؟!
تعميق روح الاستكشاف العلمي: تسخير الكون للإنسان دعوة ربانية صريحة لاكتشاف قوانين المادة وسبر أغوار الفضاء والأرض وتوظيفها في إعمار الأرض ونفع الخلق وإقامة العدل.