لم يترك القرآن التباين مجملاً؛ بل عيّن للفريق الأول: الإعطاء، والتقوى، والتصديق بالحسنى؛ وللفريق الثاني: البخل، والاستغناء، والتكذيب بالحسنى. فجمع في كل فريق بين عمل الجارحة، وعمل القلب، وعقد التصديق أو الجحود؛ ليتبين أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، وأن ضده كذلك.
{فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}؛ فقيّد الصلي المطلق بالأشقى المكذب المتولي؛ وهو تقييد يفتح باب الرجاء لأهل التوحيد ويسد باب الاتكال على مجرد الدعوى.
افتتحت السورة بالقسم بالضحى والليل إذا سجا؛ وهما آيتان متقابلتان من آيات الله في الآفاق، تتعاقبان بنظام لا يتخلف؛ ليكون القسم بهما تمهيداً بيانياً لقضية السورة: أن سكون الوحي كسكون الليل، طارئ محسوب لا انقطاع فيه.
جاءت الأقسام الثلاثة على وجه من التوجيه يجعلها إشارة إلى مواطن نزول الوحي: أرض التين والزيتون التي بُعث فيها من بُعث من أنبياء بني إسرائيل، وطور سينين موضع تكليم موسى عليه السلام، والبلد الأمين مبعث خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم؛ فكان القسم استحضاراً لسلسلة الوحي كلها شاهدةً على مضمون الجواب.
أول كلمة نزلت أمر بالقراءة، لكنها لم تُطلق بل قُيّدت: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}؛ فقُرن العلم بالتوحيد من أول لحظة؛ فليس المقصود قراءة مجردة بل قراءة معلقة بالله مبتدأة به.
افتتاح الوحي بالأمر بالقراءة وتقرير نعمتي الخلق والتعليم.
الإخبار عن إنزال القرآن في ليلة القدر.
افتتحت السورة ببيان أن الكفار من أهل الكتاب والمشركين لم يكونوا ليُتركوا على حالهم من غير إنذار، ولا ليُؤاخذوا قبل مجيء الحجة؛ فقُدّم أصل العدل قبل أصل الجزاء؛ وهو ترتيب يسد باب الاحتجاج على الله.
لم تُترك «البينة» مبهمة، بل فُسّرت في الآية بعدها: {رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً}؛ فالحجة ليست فكرة مجردة بل مبلِّغ ومبلَّغ؛ رسول يُرى، ووحي يُتلى.
وُصفت الصحف بالطهارة {مُّطَهَّرَةً}، ووُصف ما فيها بالقيمومة {كُتُبٌ قَيِّمَةٌ}؛ فاجتمع للوحي وصفان: نقاء الظرف من كل دنس، واستقامة المضمون في نفسه وإقامته لغيره.
{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} تقرير أن التوحيد والإخلاص والحنيفية والصلاة والزكاة هي جوهر ما أُمرت به الأمم قاطبة؛ فالخلاف لم يقع في الأصل بل في الوفاء به.
ختمت السورة بمقابلة حاسمة بين {شَرُّ الْبَرِيَّةِ} و{خَيْرُ الْبَرِيَّةِ}؛ فلا منزلة بين المنزلتين بعد قيام البينة، والفاصل بينهما الإيمان والعمل الصالح لا النسب ولا الانتساب إلى كتاب.
لم تحاكم السورة المكذب على لسانه ونطقه، بل على يده وقلبه ومعاملته للضعفاء؛ وهو منهج قرآني في تحويل الاعتقاد إلى محك عملي يظهر في المواقف لا في الشعارات.
جاء {الْكَوْثَرَ} معرَّفاً بلام تحتمل الجنس، ولم يُقيَّد بنوع من الخير؛ فدخل فيه نهر الجنة الذي جاء تفسيره في السنة، ودخل فيه الحوض والنبوة والقرآن والشفاعة وكثرة الأتباع وبقاء الذكر؛ فاللفظ الواحد استوعب وجوه العطاء كلها.
فرَّعت السورة على العطاء أمرين بالفاء: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}؛ فجعلت الشكر عملاً بدنياً ومالياً معاً، وحصرته في وجهة واحدة هي وجه الرب سبحانه؛ فقُوبل شرك المشركين في الذبح والنسك بتوحيد خالص في العبادتين.
جُعل الجواب وحياً منقولاً لا رأياً للنبي ﷺ؛ فأُخرج الأمر من دائرة الاجتهاد الشخصي إلى دائرة التبليغ الملزم؛ وفي هذا قطع لطمع المساومين في أن يلين الأمر باللقاء والمراجعة.
العرض الذي جاء به المشركون هو أقدم صور المساومة على الدين: أن يُؤخذ من كل ملة طرف ويُبنى منها دين ثالث؛ فردَّت السورة هذا العرض رداً باتاً، وقررت أن التوحيد لا يقبل الشركة ولو في لحظة واحدة.
لو كانت الدعوة مبنية على عصبية أو طلب سؤدد لكان أولى الناس بالمداراة عمَّ الداعي وسيداً من سادات قومه؛ فلما نزل الوحي بحكمٍ عليه لا يُداهن، سقطت التهمة قبل أن تُقال.
نزل الخبر بأنه سيصلى ناراً ذات لهب وهو حيّ يسمع ويُتلى عليه سنين؛ وكان في وسعه أن ينقض القرآن كله بكلمة يظهر بها الإسلام؛ فلم يفعل، ومات على ما أُخبر به؛ فكانت السورة حجة قائمة على صدق الوحي إلى قيام الساعة.
افتُتحت السورة بالأمر {قُلْ} تكليفاً للنبي ﷺ بتبليغ الجواب على وجه الوحي لا على وجه الرأي؛ فليس تعريف الرب مما تبلغه العقول باستقلالها، بل هو مما يُتلقى عن الله في وصف نفسه.
افتُتحت السورة بـ{قُلْ} كما افتُتحت الإخلاص؛ فالتعوذ ليس مما يُبتكر بالرأي ولا يُلتمس عند الكهان والسحرة، بل هو تلقٍّ عن الوحي في لفظه ووجهته.
جاءت آخر سورة في الترتيب تعليماً للعبد أن يختم أمره كله بالالتجاء إلى ربه في حفظ قلبه؛ فبعد أن قُرّرت العقائد والشرائع والأخبار في سور القرآن، خُتم الأمر بحماية المحل الذي تستقر فيه هذه المعاني كلها.