أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ
أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ
انتقلت الآية من وصف الفعل إلى استنكار الغفلة الحاملة عليه. والمعنى: أفلا يستيقن هؤلاء ولا يخطر ببالهم أنهم مبعوثون من قبورهم للحساب؟ واختلف أهل التفسير في {يَظُنُّ} هنا: فقال الأكثرون هو بمعنى اليقين؛ لأن الظن يرد في اللسان العربي بمعنى العلم الجازم كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ}؛ وقال آخرون هو على بابه من الترجيح؛ والمعنى على هذا أبلغ في التوبيخ: أي لو خطر لهم مجرد احتمال البعث لارتدعوا. وذكر الزمخشري في «الكشاف» عند تفسير هذه الآية أن حمله على الظن الراجح أشد في التقريع؛ إذ الاحتياط في أمر الآخرة واجب بمجرد قيام الاحتمال، فكيف بمن قام عنده اليقين. وقرر البغوي في «معالم التنزيل» عند تفسير هذه الآية أن التوبيخ متوجه إلى غفلتهم عن موقف الحساب لا إلى إنكارهم اللفظي وحده.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا هو الموضع الذي تنعطف فيه السورة من فرع إلى أصل؛ فبعد ثلاث آيات في مكيال السوق ينتقل الخطاب دفعة واحدة إلى قضية البعث. وليس هذا انتقالاً استطرادياً، بل هو كشف عن الجذر؛ إذ لا يُقدم على بخس حق العباد إلا من غاب عنه أن ثمة يوماً تُستخرج فيه الحقوق. وجاء الانتقال بأسلوب الاستفهام الإنكاري لا بأسلوب التقرير؛ لأن المقام مقام إيقاظ لا مقام تعليم؛ فالقوم يعرفون الجواب، وإنما أُريد أن يوقظوا عليه بأنفسهم. وقد مهّدت هذه الآية لما بعدها؛ إذ ذُكر البعث مجملاً هنا، ثم عُيّن زمانه في الآية التالية، ثم صُوّر مشهده في الثالثة؛ فتدرج النظم من الإجمال إلى التعيين إلى التصوير.