إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ
إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ
انتقل السياق من ذكر الصحيفة إلى ذكر أصحابها ومآلهم. والمعنى: إن الأبرار الذين وُصفت صحيفتهم لفي نعيم مقيم لا ينقطع ولا يزول. و«النعيم» صيغة مبالغة من «النعمة»، وهو ما تستلذه النفس وتطمئن إليه من غير كدر. وهذا اللفظ بعينه ورد في خاتمة سورة الانفطار: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}؛ فجاءت هذه السورة تعيده بعد التفصيل الذي سبق. وذكر ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» عند تفسير هذه الآية أن النعيم هنا مطلق يشمل نعيم القلب والروح والبدن، وأن ما بعده من الأرائك والنظر والرحيق تفصيل له. وقرر السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» عند تفسير هذه الآيات أن تنكير النعيم للتعظيم؛ أي: نعيم لا يُحيط به وصف ولا يبلغه تصور.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية مفصل الانتقال في المقطع الثالث: من الحديث عن الديوان إلى الحديث عن الجزاء. وقد جاءت مجملة ثم فُصّلت فيما بعدها تفصيلاً متدرجاً: مكان الاستقرار وهيئته {عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ}، ثم أثره الظاهر على الوجوه {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ}، ثم الشراب ووصفه ومزاجه ومصدره. فسار النظم من العام إلى الخاص، ومن الجملة إلى تفاصيلها؛ وهو أدعى إلى تمكن الصورة في النفس. ثم إن ورود هذا اللفظ بعينه في خاتمة السورة السابقة يجعل هذه الآية كالجسر الواصل بين السورتين؛ إذ أُجمل هناك وفُصّل هنا، وهو من أبين وجوه المناسبة بين المتجاورتين.