وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَضَالُّونَ
وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَضَالُّونَ
هذه اللقطة الرابعة والأخيرة من صور الاستهزاء، وهي أصرحها وأشدها. والمعنى: وإذا رأى المجرمون المؤمنين قالوا مؤكدين: إن هؤلاء لضالون عن الطريق، تاركون لما نحن عليه من دين آبائهم. وذكر الطبري في «جامع البيان» عند تفسير هذه الآية أن معناه: قالوا إن هؤلاء لعلى غير هدى في اتباعهم محمداً ﷺ. وقرر ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» عند تفسير هذه الآية أن هذا القول من المجرمين حكم منهم على أهل الإيمان بغير علم ولا بينة، وأنهم لم يُنصَّبوا لذلك ولم يُوكَّلوا به؛ وهو الذي رُدّ عليهم به في الآية بعدها. وأشار ابن عاشور في «التحرير والتنوير» عند تفسير هذه الآية إلى أن انتقالهم من السخرية الفعلية إلى الحكم القولي بالضلال هو أشد درجات الأذى؛ لأنه يخرج من باب العبث إلى باب الادعاء والمنازعة في أصل الدين.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بلغت صور الاستهزاء غايتها في هذه اللقطة؛ فقد انتقلوا من الفعل إلى القول، ومن السخرية إلى إصدار الحكم. وهذا هو الترتيب الطبيعي في انحدار النفس: يبدأ الأمر ضحكاً، ثم غمزاً، ثم حديث مجالس، ثم يستقر حكماً معتقداً يُنطق به بأداة التوكيد. ولهذا جاء الرد في الآية التالية على هذه اللقطة بعينها دون سابقاتها: {وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ}؛ لأن الدعوى بالحكم هي التي تحتاج إلى نقض بالحجة، وأما الضحك والغمز فجزاؤهما في المشهد الأخير من السورة. ثم إن في هذا الترتيب تمهيداً لخاتمة السورة؛ فمن ادعى على المؤمنين الضلال قُوبل بأن يُنظر إليه وهو في العذاب ويُسأل: {هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}.