الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
شرع سبحانه في بيان الوصف الموجب للويل، فبدأ بالشطر الأول من سلوكهم المزدوج: حالهم حين يكونون آخذين. والمعنى عند أئمة التفسير: الذين إذا كالوا لأنفسهم على الناس أخذوا حقهم كاملاً وافياً لا يرضون بنقص حبة. وذكر الطبري في «جامع البيان» عند تفسير هذه الآية أن معنى {اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ} أي اكتالوا منهم لأنفسهم؛ وأن «على» هنا بمعنى «من»، وقيل: هي على بابها لما في الاكتيال من معنى الاستعلاء والاستيثاق. وقرر ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» عند تفسير هذه الآية أن الاستيفاء المذكور هنا ليس مذموماً في ذاته؛ فإن أخذ الحق كاملاً حق مشروع، وإنما جاء الذم من مقابلته بما بعده؛ إذ الفساد في ازدواج الكيلين لا في استيفاء أحدهما.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل النظم من الحكم إلى العلة، ومن الوعيد المجمل إلى التشريح المفصّل؛ فذُكرت الحالة الأولى من حالتي المطفف بأسلوب الشرط لا بأسلوب الخبر المجرد؛ ليفيد أن هذا سلوكهم كلما تكرر الموقف لا في واقعة بعينها. وقُدّم جانب الأخذ على جانب الإعطاء؛ لأنه الأسبق في نفس المطفف والأقوى في باعثه؛ فهو يبدأ بحماية حظه ثم ينتقل إلى بخس حظ غيره؛ فجرى النظم على ترتيب النفس لا على ترتيب المنطق المجرد. وفي هذا التقديم أيضاً إقامة للحجة عليهم من أنفسهم؛ فإنهم قد عرفوا حق الوفاء وطالبوا به، فلا عذر لهم في جهله حين يكونون في الجهة الأخرى.