وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ
وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ
لما تقرر في الآية قبلها أن كتاب الأبرار في عليين، جاء هذا الاستفهام للتفخيم والتهويل والتشويق كما جاء نظيره في جانب الفجار. والمعنى: وأي شيء أعلمك ما عليون؟ أي إن شأنه أرفع من أن تبلغه المعارف المعتادة. وقد تقدم أن ما جاء في القرآن بلفظ {وَمَا أَدْرَاكَ} فقد أعقبه البيان، وما جاء بلفظ «وما يدريك» فهو مما استأثر الله بعلمه؛ وهذه الآية من القسم الأول؛ ولذلك جاء بعدها: {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ}. وقد ساق الطبري في «جامع البيان» عند تفسير هذه الآيات أقوال أهل التأويل في عليين: فقيل السماء السابعة، وقيل سدرة المنتهى، وقيل قائمة العرش اليمنى، وقيل هو الديوان الذي تُثبت فيه أعمال الأبرار. وأشار ابن عاشور في «التحرير والتنوير» عند تفسير هذه الآية إلى أن إعادة صيغة الاستفهام بعينها في الجانبين من تمام التوازي الذي بُنيت عليه السورة؛ إذ اقتضى بناء المقابلة أن يجري وصف الطرف الثاني على سنن وصف الأول حرفاً بحرف.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتظم هذا الموضع مع نظيره في المقطع الثاني انتظاماً تاماً: تقرير، ثم استفهام تفخيمي، ثم بيان. غير أن جانب الأبرار زاد على جانب الفجار بآية رابعة هي {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ}؛ فلم يُذكر في جانب سجين ما يقابلها. وهذه الزيادة مقصودة في النظم: فإن مقام الفضل يُبسط فيه ولا يُقتصر، ومقام الوعيد يُوجز فيه اكتفاءً بما يحصل به الزجر؛ وهذا جارٍ على سنن القرآن في تغليب جانب الرحمة. ثم إن تأخير البيان بعد الاستفهام هنا كتأخيره هناك: تشويق يجعل الجواب أوقع في السمع؛ فلما تهيأت النفس للجواب جاءها ما يقرر التوثيق ثم ما يزيده شرفاً بشهادة الملأ الأعلى.