وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ
وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ
هذا ردّ على دعواهم في الآية قبلها. والمعنى: وما بُعث هؤلاء المجرمون رقباء على المؤمنين ولا وُكِّلوا بحفظ أعمالهم ومحاسبتهم عليها؛ فما لهم وللحكم على غيرهم. وذكر الطبري في «جامع البيان» عند تفسير هذه الآية أن المعنى: وما أُرسل المشركون على المؤمنين حافظين لأعمالهم يحصونها عليهم. وقيل: الجملة معترضة من كلام الله ردّاً عليهم؛ وقيل: هي من تمام حكاية حالهم؛ والأول هو الظاهر الذي عليه عامة المفسرين. وقرر السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» عند تفسير هذه الآيات أن في الآية ردّاً على كل من نصّب نفسه حاكماً على عباد الله بغير إذن من الله؛ فإن الحفظ والإحصاء إنما هو لله وللملائكة الموكلين بذلك.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الرد في موضعه من النظم؛ إذ عقّب مباشرة على أشد صور الأذى وهي الحكم بالضلال. ولم يُعقَّب على الضحك والغمز والتفكه؛ لأن جزاءها سيأتي في المشهد الأخير بالمقابلة العملية لا بالمناقشة. أما الحكم بالضلال فدعوى تحتاج إلى نقض؛ فنُقضت بأوجز طريق: بنفي الصفة التي تسوّغ الحكم؛ إذ لا يحكم على عمل غيره إلا من وُكِّل بحفظه. ثم إن هذه الآية موصولة بما تقدم في السورة من ذكر الكتاب والحفظة؛ فقد قُرر أن الأعمال تُكتب وتُودع في سجين وعليين، وأن ذلك بيد من وكّلهم الله لا بيد من نصّب نفسه؛ فجاء هذا الرد متسقاً مع أصل قررته السورة من أولها. وبهذا يُختم مشهد الدنيا لينفتح مشهد الآخرة في الآية بعدها بالفاء الفصيحة.