يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ
يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ
انتقل الوصف من هيئة المجلس وأثره على الوجوه إلى ذكر الشراب. و«الرحيق» عند أهل اللغة والتفسير: الخمر الصافية الخالصة التي لا غش فيها ولا كدر؛ وقيل: أجود الشراب وأصفاه. و«المختوم» المطبوع عليه بخاتم يمنع أن تمتد إليه يد ويصان به عن التغير. وذكر الطبري في «جامع البيان» عند تفسير هذه الآية أن أهل التأويل على أن الرحيق هو الخمر الصافية، وأن الختم عليه لصيانته وتكريم شاربه. وقرر القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» عند تفسير هذه الآية أن ختم الإناء في عرف الناس دليل على نفاسة ما فيه؛ إذ لا يُختم إلا على ما يُنفَس به؛ فجاء الوصف على ما تعرفه العرب من إكرام الضيف بما لم تمتد إليه يد قبله.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء ذكر الشراب بعد ذكر المجلس والوجه على ترتيب المشاهد في مجالس الإكرام: يستقر الضيف، ثم تظهر عليه البهجة، ثم يُقدَّم إليه الشراب. وهذا الترتيب من دقة التصوير في السورة. ثم إن هذا الشراب وُصف بثلاثة أوصاف متتابعة في ثلاث آيات: مختوم، وختامه مسك، ومزاجه من تسنيم؛ فتدرج الوصف من صيانة الإناء إلى طيب خاتمه إلى شرف مصدر مزاجه؛ فسار من الظاهر إلى ما هو أدق منه. وفي هذا التدرج مقابلة خفية لما تقدم في السورة من التطفيف؛ فإن المطفف يبخس ويغش، وشراب الأبرار خالص مصون لا غش فيه ولا نقص؛ فجُوزوا على وفائهم بشراب لا يُخالطه كدر.