عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ
عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ
هذا بيان للتسنيم المذكور مجملاً في الآية قبلها. والمعنى: هي عين يشرب منها المقربون. وقد اختلف المفسرون في مقدار حظ الفريقين منها: فذهب جمهورهم إلى أن المقربين يشربونها صرفاً غير ممزوجة، وأن سائر أهل الجنة يُمزج لهم بها؛ وهذا مأخوذ من مجموع الآيتين: إذ جُعلت مزاجاً في الأولى وشراباً للمقربين في الثانية. وقد ذكر الطبري في «جامع البيان» عند تفسير هذه الآية أقوال أهل التأويل في ذلك. وقرر ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» عند تفسير هذه الآية أن المقربين يشربون منها صرفاً، وأن أصحاب اليمين يُمزج لهم منها؛ وهذا الجمع هو الذي عليه عامة المفسرين. وأما {الْمُقَرَّبُونَ} هنا فهم السابقون من أهل الإيمان الذين بلغوا أعلى المنازل؛ وهو غير ما تقدم في {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} عند من فسر أولئك بالملائكة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ختم بهذه الآية وصف نعيم الأبرار، وبها يتم المقطع الثالث. وقد جاء الختام بذكر {الْمُقَرَّبُونَ} كما جاء افتتاح وصف صحيفتهم بذكرهم في {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ}؛ فانعقد المقطع بين طرفين متماثلين؛ وهو من إحكام النظم. ثم إن هذا الختام مهد للانتقال إلى المقطع الرابع؛ فإن ذكر المقربين وعلو منزلتهم يستدعي في النفس سؤالاً: كيف كان حال هؤلاء في الدنيا؟ فجاء الجواب في الآية التالية: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ}؛ فانتقل الكلام من مقامهم في الآخرة إلى ما كانوا يلقونه في الدنيا؛ وهذا الانتقال هو مفتاح المقطع الأخير كله.