خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ
خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ
هذا وصف ثانٍ للشراب، ثم تعقيب بأمر يوجّه طاقة التنافس إلى ميدانها الصحيح. واختلف أهل التفسير في معنى {خِتَامُهُ مِسْكٌ}: فقيل الطينة التي يُختم بها الإناء مسك لا طين كما يُعرف في الدنيا؛ وقيل: آخره وعاقبته؛ أي إذا فرغ الشارب منه وجد في آخره رائحة المسك وطعمه؛ وهذا القول مروي عن جماعة من السلف. وقد ساق الطبري في «جامع البيان» عند تفسير هذه الآية هذين القولين عن أهل التأويل. وقرر ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» عند تفسير هذه الآية أن المعنيين غير متدافعين؛ فيكون الختام الذي يُغلق به مسكاً، ويكون آخر الشراب طيباً كذلك. وأما التعقيب بالأمر بالمنافسة فقد ذكر السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» عند تفسير هذه الآيات أن فيه تنبيهاً على أن هذا هو الموضع الذي يحسن أن تُبذل فيه النفائس وتتزاحم فيه الهمم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية هي بؤرة التوجيه العملي في المقطع كله؛ إذ توسط الأمر بالمنافسة بين أوصاف الشراب: ذُكر الختام، ثم جاء الأمر، ثم عاد الوصف بذكر المزاج. وهذا الاعتراض في وسط الوصف مقصود؛ فإن النفس إذا بلغت غاية التشوق كان توجيهها أنفذ من أن تُوجَّه قبل ذلك أو بعد أن يبرد الشوق. ثم إن هذا الأمر يرتبط بمطلع السورة ارتباطاً وثيقاً؛ فإن التطفيف إنما نشأ من تنافس منحرف على عاجل المال؛ فجاءت الآية تعيد توجيه هذه الطاقة نفسها إلى ميدان لا ظلم فيه ولا بخس؛ فالسورة لم تكتف بكبح الشهوة بل نقلتها إلى مجراها الصحيح. وبهذا يتبين أن أول السورة وهذا الموضع طرفا خيط واحد.