عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ
عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ
هذا أول تفاصيل النعيم المجمل. و«الأرائك» جمع «أريكة»، وهي السرير المزيَّن في الحَجَلة؛ لا يسمى أريكة إلا إذا كان في بيت مزين. والمعنى: هم متكئون على السرر المزينة ينظرون. واختلف المفسرون في متعلق النظر لأنه حُذف: فقيل ينظرون إلى ما أعطاهم الله من النعيم وملكهم من الملك، وقيل ينظرون إلى أعدائهم وهم يعذبون كما جاء في آخر السورة، وقيل ينظرون إلى وجه ربهم الكريم؛ وهذا القول الأخير يقويه أنه جاء في مقابلة قوله في الكفار: {إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}. وقد ساق الطبري في «جامع البيان» عند تفسير هذه الآية هذه الأقوال، وذكر ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» عند تفسير هذه الآية أن الحذف يقتضي العموم فتُحمل الآية على الجميع. ومما يشهد لسعة نظرهم ما ثبت في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف فوقهم كما يُتراءى الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب؛ أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق، ومسلم في صحيحه في كتاب الجنة وصفة نعيمها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية أول تفصيل بعد الإجمال، وهي على قصرها جمعت هيئة الاستقرار وهيئة الفعل: استقرار على الأرائك، ونظر ممتد. وموقعها من السورة بالغ الدقة؛ فهي المقابل المباشر لقوله في الفجار: {إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}؛ فأولئك محجوبون وهؤلاء ناظرون؛ فتمت المقابلة في أشرف ما يُعطى وأشد ما يُمنع. ثم إن هذه الآية بعينها ستتكرر في الآية الخامسة والثلاثين في سياق آخر: سياق نظرهم إلى من كان يسخر منهم؛ فتكون هذه في مقام النعيم المطلق وتلك في مقام الجزاء المقابل للسخرية؛ فاتحد اللفظ واختلف المقام؛ وهو من أدق ما في بناء السورة.