وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ
وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ
هذه الآية حصر لصفة المكذبين وبيان لأصل دائهم. والمعنى: وما يكذب بيوم الدين إلا كل متجاوز للحد في أفعاله، منهمك في الآثام في اعتقاده وسلوكه. وذكر الطبري في «جامع البيان» عند تفسير هذه الآية أن {مُعْتَدٍ} هو المتجاوز حدود الله، و{أَثِيمٍ} هو الكثير الإثم؛ فجُمع له وصف التجاوز في الفعل والانهماك في الذنب. وقرر ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» عند تفسير هذه الآية أن الاعتداء في الأفعال والإثم في الأقوال والاعتقادات، فاجتمع لهم فساد الظاهر والباطن. وقرر ابن عاشور في «التحرير والتنوير» عند تفسير هذه الآية أن الآية بيان لعلة التكذيب: وهي أن الجحود لم ينشأ عن نظر عقلي، بل عن رغبة في التفلت من قيود الشريعة؛ فسبق الهوى النظر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل النظم من ذكر الفعل إلى ذكر فاعله بوصفه، ومن الوصف إلى العلة؛ وهذا ترتيب المحاكمة الدقيقة: يُذكر الحكم، ثم المحكوم عليه، ثم موجب الحكم. وجاء أسلوب الحصر ليقطع أن يكون التكذيب صادراً عن نظر أو شبهة علمية؛ فحُصر في صاحب هوى متجاوز مغرق في الإثم. وفي هذا تمهيد بالغ الإحكام لما يأتي بعده؛ فإن الآية التالية تذكر سلوكهم عند سماع الآيات: {قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}، ثم تكشف الآية الثالثة عن السبب الباطن: {بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}؛ فتتابعت الآيات الثلاث على نسق واحد: الصفة، ثم القول، ثم العلة القلبية.