كَلَّا ۖ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ
كَلَّا ۖ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ
هذا هو الكشف عن العلة الحقيقية للتكذيب؛ فالمعنى: ليس القرآن أساطير كما زعموا، بل الذي حجبهم عن إدراك حقيقته صدأ تراكم على قلوبهم من كثرة ما اكتسبوا من الذنوب حتى غطاها. و«الرَّان» و«الرَّين» في اللسان: الغطاء الرقيق يعلو الشيء فيغيّر صفاءه؛ ومنه «ران على قلبه» إذا غلبه الصدأ. وقد جاء في تفسير هذه الآية حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ في أن العبد إذا أذنب نُكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب واستغفر صُقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وأنه الران الذي ذكره الله في هذه الآية؛ أخرجه الترمذي في سننه في أبواب تفسير القرآن، وابن ماجه في سننه، وأحمد في المسند؛ وأورده الطبري في «جامع البيان» (24/ 200 - 201)جامع البيان٢٤/٢٠٠ في تفسير هذه الآية. وقرر ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» عند تفسير هذه الآية أن الران يعم القلوب إذا كثر الذنب حتى يصير طبعاً وقفلاً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية هي مركز المقطع الثاني ومفتاح فهمه؛ إذ ردّت التكذيب إلى أصله في القلب بعد أن عُرض في صورة قول باللسان. وجرى النظم على أدق ترتيب: قالوا قولاً باطلاً، فرُدع القول، ثم أُضرب عنه إلى بيان السبب، ثم رُتّبت عليه ثلاث عقوبات في الآيات الثلاث بعدها. وفي هذا الترتيب دلالة على أن العقوبة إنما لحقتهم بما كسبت أيديهم لا بأمر خارج عن اختيارهم؛ فالران أثر الكسب، والحجاب أثر الران، والجحيم أثر الحجاب. ثم إن ذكر الكسب هنا يعود بالسياق إلى أول السورة؛ فإن التطفيف من الكسب الذي يرين على القلوب؛ فاتصل آخر المقطع بأوله.