كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ
كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ
هذه أولى العقوبات الثلاث المترتبة على الران؛ والمعنى: إنهم يوم القيامة ممنوعون من رؤية ربهم، محجوبون عن النظر إليه. وقد استدل بهذه الآية أئمة السنة على إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة؛ إذ لو كان الحجاب عاماً في حق الخلق كلهم لم يكن في تخصيص الكفار به معنى ولا في ذكره تهديد. وقد نقل ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» عند تفسير هذه الآية عن الإمام الشافعي رحمه الله قوله في هذه الآية: إن في هذا دليلاً على أن أولياءه يرونه يوم القيامة؛ إذ لو لم يكن كذلك لما كان في حجب هؤلاء عنه فائدة تختص بهم. وقد تواترت الأحاديث في رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة؛ منها حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تُضامون في رؤيته»، أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب مواقيت الصلاة، ومسلم في صحيحه في كتاب المساجد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية أول ثلاث عقوبات مرتبة ترتيباً بالغ الدقة: الحجاب، ثم الصلي، ثم التقريع بالقول. وتقديم الحجاب على النار مقصود؛ فقد قُدّم الحرمان المعنوي على العذاب الحسي؛ إشعاراً بأن أعظم ما يفوتهم هو ربهم لا نارهم. وفي ذلك مناسبة دقيقة لما قبله: فإنهم في الدنيا حُجبوا عن إدراك الحق بالران الذي كسبوه، فجُوزوا في الآخرة بحجاب عن النظر إلى ربهم؛ فكان الجزاء من جنس العمل: حجاب بحجاب. ثم إن هذه الآية تقابل في المقطع الثالث قوله في الأبرار: {عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ}؛ فتمت المقابلة بين محرومين من النظر ومنعّمين به.