ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ
ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ
هذه العقوبة الثالثة، وهي عقوبة التقريع بالقول؛ والمعنى: ثم يقال لهم على وجه التوبيخ والتقريع وهم في النار: هذا العذاب الذي أنتم فيه هو الذي كنتم به في الدنيا تكذبون وتزعمون أنه أساطير الأولين. وذكر ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» عند تفسير هذه الآية أن هذا خطاب توبيخ يقوله لهم خزنة جهنم؛ وفيه زيادة على عذاب الحس بعذاب النفس. وقرر ابن عاشور في «التحرير والتنوير» عند تفسير هذه الآية أن بناء الفعل للمجهول هنا لتعميم القائل؛ إذ لا غرض في تعيينه، والمقصود وقوع القول عليهم من أي جهة كان؛ وهو أشد في التحسير.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ختم المقطع الثاني بهذه الآية ختاماً محكماً؛ فقد بدأ المقطع بذكر كتابهم في سجين وانتهى بمواجهتهم بما كذبوا به. وبين المطلع والختام دورة كاملة: كتاب يُودع، ووعيد يُعلن، وقول يُحكى، وعلة تُكشف، وعقوبات تُرتب، ثم تقريع يُختم به. وقد جاء التقريع بلفظهم أنفسهم؛ فهم قالوا في الدنيا {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}، فقيل لهم في الآخرة: {هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ}؛ فردّ عليهم قولهم من جنسه. وفي هذا الختام تمهيد للانتقال إلى المقطع الثالث بالمقابلة؛ إذ بعد أن استوفى بيان حال الفجار انتقل إلى حال الأبرار بحرف الردع نفسه واللفظ نفسه في بنائه.